تذهيبها، ومعان عني الفهم بتهذيبها. ألفاظ حسبتها من رقّتها منسوخة في صحيفة الصّبا، وظننتها من سلاستها مكتوبة في نحر الهوى.
كلام كالبشرى بالولد الكريم، قرع به سمع الشيخ العقيم.
كلام قرب حتى أطمع، وبعد حتى امتنع، وقرب حتى صار قاب قوسين أو أدنى، ثم [سما و] علا حتى صار بالمنزل الأعلى. رقيق المزاج، حلو السماع، نقيّ السّبك، مقبول اللّفظ. قرأت لفظا جليّا، حوى معنى خفيّا، وكلاما قريبا، رمى غرضا بعيدا. لو أنّ كلاما أذيب به صخر، أو أطفىء به جمر، أو عوفي به مريض، أو جبر به مهيض [1] لكان كلامه الذي يقود سامعيه إلى السجود، ويجري في القلوب كجري الماء في العود. ألفاظه أنوار، ومعانيه ثمار. كلامه أنس المقيم الحاضر، وزاد الراحل المسافر. كلامه يصغي إليه المقبور، وينتفض له العصفور، كلام يقضي حقّ البيان، ويملك رقّ الحسن والإحسان، كلام منه يجتني الدّر، وبه يعقد السّحر، وعنده يعتب الدهر [2] ، وله ينشرح الصدر.
نثر كنثر الورد، نظم كنظم العقد. نثر كالسّحر أو أدقّ، ونظم كالماء أو أرقّ. رسالة كالرّوضة الأنيقة، وقصيدة كالمخدّرة الرشيقة. رسالة تقطر ظرفا، وقصيدة تمزج بماء الرّاح لطفا. نثره سحر البيان، ونظمه قطع الجمان. نثر كما تفتّح الزهر، ونظم كما تنفّس السّحر. نثر ترقّ نواحيه وحواشيه، ونظم تروق ألفاظه ومعانيه. نثر كالحديقة تفتّحت أحداق وردها، ونظم كالخريدة تورّدت أسرار خدّها. رسالة تضحك عن غرر وزهر، وقصيدة تنطوي على حبر ودرر. لم ترض في برّك، بأخوات النّثرة [3] من نثرك، حتى وصلتها ببنات الشّعرى [4] من شعرك. كلام كما هبّ نسيم السحر، على صفحات الزّهر، ولذّ طعم الكرى بعد برح السّهر. وشعر في نفسه شاعر، توسم به المواسم والمشاعر.
كلام أنسى حلاوة الأولاد بحلاوته، وطلاوة الربيع بطلاوته، وشعر من حلّة الشباب مسروق، ومن طينة الوصال مخلوق. قصيدة، في فنّها فريدة، هي عروس كسوتها القوافي، وحليتها المعاني. شعر يترقرق فيه ماء الطبع، ويرتفع له حجاب القلب والسمع.
شعر لا مزية الإعجاز أخطأته، ولا فضيلة الإيجاز تخطّته شعر رويته لمّا رأيته، وحفظته
(1) العظم المهيض: المكسور بعد الجبور. محيط المحيط (هيض) .
(2) يعتب: يرضي. محيط المحيط (عتب) .
(3) النّثرة: كوكبان بينهما قدر شبر. محيط المحيط (نثر) .
(4) الشّعرى: الكوكب الذي يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدّة الحرّ. محيط المحيط (شعر) .