فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 993

وصلينا نصلك في هذه الدّن ... يا فإنّ المقام فيها قليل

وقف أعرابيّ يسأل، فعبث به فتى، فقال: ممن أنت؟ فقال: من بني عامر ابن صعصعة، فقال: من أيّهم؟ فقال: إن كنت أردت عاطفة القرابة فليكفك هذا المقدار من المعرفة، فليس مقامي بمقام مجادلة ولا مفاخرة، وأنا أقول: فإن لم أكن من هاماتهم فلست من أعجازهم. فقال الفتى: ما رويت عن فضيلتك إلّا النقص في حسبك، فامتعض الأعرابي لذلك فجعل الفتى يعتذر، ويخلط الهزل والدعابة باعتذاره، وأطال الكلام، فقال له الأعرابي: يا هذا، إنك منذ اليوم آذيتني بمزحك، وقطعتني عن مسألتي بكلامك واعتذارك، وإنك لتكشف عن جهلك بكلامك ما كان السكوت يستره من أمرك، ويحك! إنّ الجاهل إن مزح أسخط، وإن اعتذر أفرط، وإن حدث أسقط، وإن قدر تسلّط، وإن عزم على أمر تورّط، وإن جلس مجلس الوقار تبسّط أعوذ منك ومن حال اضطرتني إلى احتمال مثلك!

وقال إسحاق الموصلي: قال أعرابي لرجل كان يعتمده بالعطية: اسأل الذي رحمني بك أن يرحمك بي.

وسأل أعرابي رجلا، فأعطاه، فقال: الحمد لله الذي ساقني إلى الرزق وساقك إلى الأجر.

ومن إنشاء البديع من مقامات الإسكندري:

قال: حدّثنا عيسى بن هشام قال: أفضت بي إلى بلخ تجارة البزّ، فوردتها وأنا بفروة [1] الشباب وبال الفراغ، وحلية الثروة، لا يهمنّي إلّا نزهة فكر أستفيدها، وشريدة من الكلام أصيدها فما استأذن على سمعي مسافة مقامي، أفصح من كلامي. ولمّا حنى التفرق بنا قوسه أو كاد، دخل إليّ شابّ في زي ملء العين، ولحية تشوك الأخدعين [2] ، وطرف قد شرب بماء الرّافدين [3] ، ولقيني من البرّ في السناء، بما زدته من الشكر والثناء ثم قال: أظعنا [4] تريد؟ قلت: إي والله، فقال: أخصب الله رائدك، ولا أضلّ قائدك،

(1) الفروة: جلدة الرأس والتاج وقوله: بفروة الشباب: أي في ريعان الشباب. القاموس المحيط (فرا) .

(2) الأخدع: عرق في المحجمتين وهو شعبة من الوريد. القاموس المحيط (خدع) .

(3) الرافدان: هما دجلة والفرات، وهو كناية عن أنه في ريعان الشباب.

(4) الظّعن: السّير. محيط المحيط (ظعن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت