وكفت كون فرحة تورث ... الهمّ وخلّ يغادر الوجد خلّا [1]
وفي كتاب الهند: العاقل حقيق أن تسخو نفسه عن الدنيا، علما بأنه لا ينال أحد منها شيئا إلّا قلّ إمتاعه به وكثر عناؤه فيه، ووباله عليه، واشتدّت مؤنته عند فراقه، وعلى العاقل أن يدوم ذكره لما بعد هذه الدار، ويتنزّه عمّا تسيّره إليه نفسه من هذه العاجلة، ويتنحّى عن مشاركة الكفرة والجهال في حبّ هذه الفانية التي لا يألفها ولا ينخدع بها إلّا المغترون.
وفيه: لا يجدّنّ العاقل في صحبة الأحباب والأخلّاء، ولا يحرصنّ على ذلك كل الحرص. فإن صحبتهم على ما فيها من السرور كثيرة الأذى، والمؤنات، والأحزان، ثم لا يفي ذلك بعاقبة الفراق.
وفيه: ليس من شهوات الدنيا ولذّاتها شيء إلّا وهو مولّد أذى وحزنا، كالماء المالح الذي كلّما ازداد له صاحبه شربا ازداد عطشا، وكالقطعة من العسل في أسفلها سمّ للذائق فيه حلاوة عاجلة، وله في أسفلها سمّ ذعاف [2] ، وكأحلام النائم التي تسرّه في منامه، فإذا استيقظ انقطع السرور، وكالبرق الذي يضيء قليلا، ويذهب وشيكا، ويبقى صاحبه في الظلام مقيما، وكدودة الإبريسم [3] ما ازدادت عليه لفّا إلّا ازدادت من الخروج بعدا.
وفيه: صاحب الدين قد فكر فعلته السكينة، وسكن فتواضع، وقنع فاستغنى، ورضي فلم يهتمّ، وخلع الدنيا فنجا من الشرور، ورفض الشهوات فصار حرّا، وطرح الحسد فظهرت له المحبّة، وسخت نفسه عن كل فان، فاستكمل العقل، وأبصر العاقبة، فأمن الندامة، ولم يؤذ الناس فيخافهم، ولم يذنب إليهم فيسألهم العفو.
[وصيّة عتبة بن أبي سفيان لمولاه سعد القصر]
وقال سعد القصر مولى عتبة بن أبي سفيان: ولّاني عتبة أمواله بالحجاز، فلمّا ودّعته قال: يا سعد، تعاهد صغير مالي فيكبر، ولا تجف كبيره فيصغر فإنه ليس يمنعني
(1) في الديوان: «فكفت كون الغمّ وخلّ» .
(2) السّمّ الذّعاف: الذي يقتل من ساعته. محيط المحيط (ذعف) .
(3) الإبريسم: الحرير قبل أن يخرقه الدود، وبعد الخرق يسمّى قزّا. معرب. إبريشم بالفارسية. محيط المحيط (برسم) .