عوّل البديع في هذا الكلام على قول أبي الفضل بن العميد في رسالة له في مثل ذلك:
أسأل الله أن يعرّفني بركته، ويلقّيني الخير في باقي أيامه وخاتمته وأرغب إليه في أن يقرب على الفلك دوره، ويقصّره سيره، ويخفّف حركته، ويعجّل نهضته، وينقص مسافة فلكه ودائرته، ويزيل بركة الطول عن ساعاته، ويردّ عليّ غرّة شوال، فهي أسنى الغرر عندي، وأقرّها لعيني ويطلع بدره، ويريني الأيدي متطلبة هلاله ببشر، ويسمعني النّعي لشهر رمضان، ويعرض عليّ هلاله أخفى من السّحر، وأظلم من الكفر، وأنحف من مجنون بني عامر، وأبلى من أسير الهجر، وأستغفر الله جلّ وجهه مما قلت إن كرهه، وأستعفيه من توفيقي لما يذمّه، وأسأله صفحا يفيضه، وعفوا يوسعه، إنّه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي أخلاق المخلوع. قال: كان واسع الصّدر، ضيّق الأدب، يبيح من نفسه ما تأنفه همم الأحرار، ولا يصغي إلى نصيحة، ولا يقبل مشورة، يستبدّ برأيه، ويبصّر سوء عاقبته فلا يردعه ذلك عمّا يهمّ به. قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: كان يجمع الكتائب بالتبذير، ويفرّقها بسوء التدبير. فقال المأمون:
لذلك حلّ ما حلّ به أما والله لو ذاق لذّات النصائح، واختار مشورات الرجال، وملك نفسه عن شهواتها، لما ظفر به.
ولمّا عقد الرشيد البيعة للأمين وهو أصغر من المأمون لأجل أمّه زبيدة، وكلام أخيها عيسى بن جعفر، وقدّمه على المأمون، جعل يرى فضل عقله فيندم على ذلك، فقال: [الطويل]
لقد بان وجه الرّأي لي غير أنّني ... غلبت على الأمر الذي كان أحزما
فكيف يردّ الدرّ في الضّرع بعد ما ... توزّع حتى صار نهبا مقسّما
أخاف التواء الأمر بعد استوائه ... وأن ينقض الحبل الذي كان أبرما
قال أسد بن يزيد بن مزيد: بعث إليّ الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن الأنباري، قال: فأتيته وهو في صحن داره، وفي يده رقعة قد غضب لما نظر فيها، وهو يقول: ينام نوم الظّربان [1] ، وينتبه انتباه الذئب، همّته بطنه، ولذّته فرجه، لا يفكّر في
(1) الظربان، بفتح الظاء وكسر الراء: دويبة كالهرّة منتنة. محيط المحيط (ظرب) .