فهرس الكتاب

الصفحة 699 من 993

وانتصف، ومن عفا تفضّل، ومن أخذ حقّه لم يجب شكره ولم يذكر فضله، وكظم الغيظ حلم، والتشفّي طرف من الجزع، ولم يمدح أهل التقى والنهى من كان حليما بشدّة العقاب، ولكن بحسن الصفح والاغتفار وشدة التغافل، وبعد، فالمعاقب مستدع لعداوة أولياء المذنب، والعافي مسترع لشكرهم آمن من مكافأتهم، ولأن يثنى عليك باتّساع الصدر خير من أن توصف بضيقه، على أنّ إقالتك عثرات عباد الله موجب لإقالة عثرتك من ربّهم، وموصول بعفوه، وعقابك إياهم موصول بعقابه، قال الله عزّ وجلّ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجََاهِلِينَ} [1] .

وقال بعض الكتاب لرئيسة وقد عتب عليه: «إذا كنت لم ترض مني بالإساءة فلم رضيت من نفسك بالمكافأة» ؟.

وأذنب رجل من بني هاشم فقبضه المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، من حمل مثل دالّتي، ولبس ثوب حرمتي، غفر له مثل زلّتي، قال: صدقت وعفا عنه.

ولمّا دخل بعض الكتّاب على أمير بعد نكبة نالته فرأى من الأمير بعض الازدراء، فقال له: لا يضعني عندك خمول النّبوة، وزوال الثروة فإنّ السيف العتيق إذا مسّه كثير الصدإ استغنى بقليل الجلاء حتى يعود حدّه، ويظهر فرنده ولم أصف نفسي عجبا، لكن شكرا. وقال، صلّى الله عليه وسلّم: «أنا أشرف ولد آدم ولا فخر» فجهر بالشكر، وترك الاستطالة بالكبر.

وكان تميم بن جميل السدوسي [قد أقام] بشاطىء الفرات، واجتمع إليه كثير من الأعراب، فعظم أمره، وبعد ذكره فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق في النهوض إليه، فتبدّد جمعه، وظفر به فحمله موثقا إلى باب المعتصم، فقال أحمد بن أبي داود:

ما رأيت رجلا عاين الموت، فما هاله ولا شغله عما كان يجب عليه أن يفعله إلّا تميم بن جميل فإنه لمّا مثل بين يدي المعتصم وأحضر السيف والنّطع [2] ، ووقف بينهما، تأمّله المعتصم وكان جميلا وسيما فأحبّ أن يعلم أين لسانه من منظره، فقال: تكلّم

(1) سورة الأعراف 7، الآية 199.

(2) النّطع، بالفتح: بساط من أديم. محيط المحيط (نطع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت