يا تميم، فقال: أمّا إذ أذنت يا أمير المؤمنين، فأنا أقول: الحمد لله {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسََانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلََالَةٍ مِنْ مََاءٍ مَهِينٍ} [1] [يا أمير المؤمنين] : جبر [الله] بك صدع الدّين، ولمّ بك شعث المسلمين، وأوضح بك سبل الحقّ، وأخمد بك شهاب الباطل إن الذنوب تخرس الألسن الفصيحة، وتعيي الأفئدة الصحيحة، ولقد عظمت الجريرة [2] ، وانقطعت الحجّة وساء الظنّ، فلم يبق إلّا عفوك وانتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما مني وأسرعهما إليّ أشبههما بك، وأولاهما بكرمك، ثم قال: [الطويل]
أرى الموت بين السيف والنّطع كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفّت
وأكبر ظنّي أنك اليوم قاتلي ... وأيّ امرىء ممّا قضى الله يفلت
وأي امرىء يأتي بعذر وحجّة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت
وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أنّ الموت شيء موقّت
ولكنّ خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتّت
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة ... أذود الرّدى عنهم وإن متّ موّتوا
وكم قائل لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسرّ ويشمت
فتبسّم المعتصم وقال: يا جميل، قد وهبتك للصّبية، وغفرت لك الصّبوة، ثم أمر بفكّ قيوده، وخلع عليه، وعقد له على شاطىء الفرات.
وكتب المعتصم حين صارت إليه الخلافة إلى عبد الله بن طاهر: عافانا الله وإياك، قد كانت في قلبي منك هنات غفرها الاقتدار، وبقيت حزازات أخاف منها عليك عند نظري إليك فإن أتاك ألف كتاب أستقدمك فيه فلا تقدم، وحسبك معرفة بما أنا منطو لك عليه إطلاعي إياك على ما في ضميري منك، والسلام.
قال العباس بن المأمون: ولما أفضت الخلافة إلى المعتصم دخلت، فقال: هذا مجلس كنت أكره الناس لجلوسي فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت تعفو عما تيقّنته، فكيف تعاقب على ما توهّمته؟ فقال: لو أردت عقابك لتركت عتابك.
وكان المعتصم شهما، شجاعا، عاقلا، مفوّها، ولم يكن في [خلفاء] بني العباس
(1) سورة السجدة 32، الآيتان 7، 8.
(2) الجريرة: الذنب والجناية. محيط المحيط (جرر) .