فهرس الكتاب

الصفحة 641 من 993

[التعلّق بالغلام]

وقال أحمد بن يوسف:

كتب غلام من ولد أنوشروان ممن كان أحد غلمان الديوان، إلى آخر منهم وكان قد علق به، وكان شديد الكلف به والمحبّة له: ليس من قدري أدام الله سعادتك أن أقول لمثلك جعلت فداك لأني أراك فوق كلّ قيمة خطيرة وثمن معجز، ولأنّ نفسي لا تساوي نفسك، فتقبل في فديتك، وعلى كل حال فجعلني الله فداء ساعة من أيامك، اعلم أيها السيد العليّ المنزلة، أنه لو كان لعبدك من شدّة الخطب أمر يقف على حدّه النعت، لاجتهدنا أن يضعف من ذلك ما عسى أن يعطف به زمام قلبك، وتحنو له على الرّقة به والتحفّي أثناء جوانحك، ولكن الذي أمسيت وأصبحت ممتحنا به فيه شسع [1] على كل بيان، ونزح عن كلّ لسان والحب أيها المالك لم يشبه قذى ريبة، ولم يختلط به قلب معاب، فلا ينبغي لمن كرمت أخلاقه أن يعاف مقاربة صاحبه المدل بحرمة نيته، والذي أتمناه، أيها المولى اللطيف، مجلس أقف فيه أمامك، ثم أبوح بما أضنى جسدي، وفتّ كبدي، فإن خفّ ذلك عليك ورأيت نشاطا من نفسك إليه كنت كمن فكّ أسيرا وأبرأ عليلا، ومن الخير سلك سبيلا، يتوعّر سلوكها على من كان قبله، ومن يكون بعده ثم أضاف إلى ذلك منّة لا يطيقها جبل راس، ولا فلك دائر، فرأيك أيها السيد المعتمد في الإسعاف، قبل أن يبدرني الموت فيحول بيني وبين ما نزعت إليه النفس مواصلا برّا إن شاء الله تعالى.

فأجابه: تولّى الله تعالى ما جرى به لسانك بالمزيد، ولا أوحش ما بيننا بطائر فرقة، ولا صافر تشتّت، وضمّنا وإياك في أوثق حبال الأنس، وأوكد أسباب الألفة وقفت على ما لخصته من العجز عن بلوغ ما خامر قلبك [2] ، وانطوى في ضميرك، من الشّغف المقلق، والهوى المضرع، ولعمري لو كشفت لك عن معشار ما اشتمل عليه مضمر صدري لأيقنت أنّ الذي عندك إذا قسته إلى ما عندي كالمتلاشي البائد، ولكنك بفضل الإنعام سبقتنا إلى كشف ما في الضمير. وأمّا طاعتي لك، وذمامي إليك فطاعة العبد المقتنى، الطائع لما يحكم له وعليه مولاه ومالكه، وأنا صائر إليك وقت كذا فتأهّب لذلك بأحمد عافية، وأتمّ عقدة، وأسعد نجم جرى بالألفة، إن شاء الله تعالى.

وكتب بعض الكتّاب: إني لأكره أن أفديك بنفسي استحياء من التقصير في

(1) شسع: بعد. لسان العرب (شسع) .

(2) خامر قلبك: خالطه. لسان العرب (خمر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت