قال بعض النسّاك: أسكتتني كلمة ابن مسعود عشرين سنة وهي: من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبّخ نفسه.
قال أبو عمرو بن العلاء: مما يدلّ على حرية الرجل وكرم غريزته حنينه إلى أوطانه، وتشوّقه إلى متقدم إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه.
وقالوا: الكريم يحنّ إلى جنابه، كما يحنّ الأسد إلى غابه.
وقالوا: يشتاق اللبيب إلى وطنه، كما يشتاق النجيب إلى عطنه [1] .
بلد لا تؤثر عليه بلدا، ولا تصبر عنه أبدا. هو عشّه الذي فيه درج، ومنه خرج.
مجمع أسرته، ومقطع سرّته. بلد أنشأته تربته، وغذّاه هواؤه، وربّاه نسيمه، وحلّت عنه التمائم [2] فيه.
قالوا: وكان الناس يتشوّقون إلى أوطانهم، ولا يفهمون العلّة في ذلك، حتى أوضحها علي بن العباس الرّومي في قصيدة لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستعديه على رجل من التّجّار، يعرف بابن أبي كامل، أجبره على بيع داره واغتصبه بعض جدرها، بقوله: [الطويل]
ولي وطن آليت ألّا أبيعه ... وألّا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
قد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن بان غودر هالكا
يقول له فيها:
وقد عزّني فيها لئيم وسامني [3] ... فقال لي اجهد فيّ جهد احتيالكا
(1) النجيب: في الأصل هو الكريم الحسيب من الحيوان، والمراد هنا الجمل الأصيل. والعطن، بالفتح: مبرك الإبل، أي مكان بروكها. لسان العرب (نجب) و (عطن) .
(2) التمائم: جمع تميمة وهي خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم يتّقون بها النفس أي العين بزعمهم. محيط المحيط (تمم) .
(3) عزّني: غلبني. محيط المحيط (عزز) .