ألا ربّ نار بالفضاء اصطليتها ... من الضّحّ يودي لفحها بالحواجب [1]
فدع عنك ذكر البرّ إني رأيته ... لمن خاف هول البحر شرّ المهارب
وما زال يبغيني الحتوف مواربا ... يحوم على قتلي وغير موارب
فطورا يغاديني بلصّ مصلّت ... وطورا يمسّيني بورد الشّوارب
وأمّا بلاء البحر عندي فإنه ... طواني على روع مع الرّوح واقب [2]
ولو ثاب عقلي لم أدع ذكر بعضه ... ولكنّه من هوله غير ثائب
ولم لا ولو ألقيت فيه وصخرة ... لوافيت منه القعر أوّل راسب
ولم أتعلّم قطّ من ذي سباحة ... سوى الغوص والمضعوف غير مغالب
وأيسر إشفاقي من الماء أنّني ... أمرّ به في الكوز مرّ المجانب
وأخشى الرّدى منه على كل شارب ... فكيف بأمنيه على نفس راكب؟
أخذه من قول أبي نواس وقد رأى التمساح بمصر أخذ رجلا [3] : [البسيط]
أضمرت للنيل هجرانا ومقلية ... مذ قيل لي إنما التمساح في النيل
فمن رأى النيل رأي العين عن كثب ... فما أرى النيل إلّا في البراقيل [4]
[الطويل]
أظلّ إذا هزّته ريح ولألأت ... له الشمس أمواجا طوال الغوارب
كأني أرى فيهنّ فرسان بهمة ... يليحون نحوي بالسيوف القواضب [5]
فإن قلت لي قد يركب اليمّ طاميا ... ودجلة عند اليمّ بعض المذانب [6]
فلا عذر فيها لأمرىء هاب مثلها ... وفي اللّجّة الخضراء عذر لهائب
لدجلة خبّ ليس لليمّ إنّها ... تراىء بحلم تحته جهل واثب
تطامن حتّى تطمئنّ قلوبنا ... وتغضب من مزح الرّياح اللّواعب
(1) الضّحّ، بكسر الضاد، وتشديد الحاء: الشمس. القاموس المحيط (ضحح) .
(2) الواقب: اسم فاعل وقب يقال: وقبت الشمس إذا غابت. لسان العرب (وقب) .
(3) ديوان أبي نواس (ص 561) في باب الهجاء.
(4) في الديوان: «العين من كثب في البواقيل» . والبواقيل: جمع بوقال وهو كوز بلا عروة.
والبراقيل: جمع برقيل وهو الجلاهق يرمى به البندق. محيط المحيط (برقل) .
(5) يليحون: يبدون. القاموس المحيط (لوح) .
(6) المذانب: جمع مذنب وهو مسيل الماء إلى الأرض. القاموس المحيط (ذنب) .