وولد لأبي العيناء ولد، فأتى ابن مكرم فسلّم عليه، ووضع حجرا بين يديه وانصرف، فأحسّ به، فقال: من وضع هذا؟ فقيل: ابن مكرم، قال: لعنه الله! إنما عرّض بقول النبي، صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وقال لابن مكرم، وقد قدم من سفر: ما لك لم تهد إلينا هدية؟ قال: لم آت بشيء، وإنما قدمت في خف [1] . قال: لو قدمت في خفّ لخلّفت روحك!
وأتى إلى باب إبراهيم بن رياح، فحجب، فقال: إذا شغل بكأس يمناه وبحر يسراه، وانتسب إلى أب لا يعرف أباه، ولا يحفل بحجاب من أتاه.
وقدّم إليه أبو عيسى بن المتوكل سكباحة، فجعل لا تقع يده إلّا على عظم فقال:
جعلت فداك! هذه قدر أو قبر؟
ودعا ضريرا ليعشيه، فلم يدع شيئا إلّا أكله، فقال: يا هذا، دعوتك رحمة فتركتني رحمة.
افرش طعامك اسم الله، وألحفه حمد الله. لا يطيب حضور الخوان [2] ، إلّا مع الإخوان. البخل بالطّعام، من أخلاق الطّغام [3] . الكريم لا يحظر، تقديم ما يحضر. قد قامت خطباء القدور. قدور أبكار، بخواتم النّار. قدر طار عرفها، وطاب غرفها. دهماء تهدر كالفنيق [4] ، وتفوح كالمسك الفتيق. مائده كدارة البدر، تباعد بين أنفاس الجلّاس.
مائدة مثل عروس. مائدة لطيفة، محفوفة بكل طريفة. مائدة تشتمل على بدائع المأكولات، وغرائب الطيّبات. مائدة كأنما عملها صنّاع صنعاء، تجمع بين أنوار الربيع، وثمار الخريف.
وقال الجماز: جاءنا فلان بمائدة كأنّها زمن البرامكة على العفاة!
وذمّ آخر رجلا فقال: لا يحضر مائدته إلّا أكرم الخلق وألأمهم يريد الملائكة والذّباب.
(1) الخفّ، بضم الخاء وتشديد الفاء: واحد الخفاف التي تلبس. القاموس المحيط (خفف) .
(2) الخوان، بكسر الخاء وضمّها: ما يؤكل عليه الطعام. القاموس المحيط (خون) .
(3) الطّغام، بفتح الطاء والغين: أوغاد الناس. القاموس المحيط (طغم) .
(4) الفنيق، على وزن أمير: الفحل المكرم. القاموس المحيط (فنق) .