والمملوك لمن أعتقه. أثنى عليه ثناء الرّوض الممحل، على الغيث المسبل. أثنى عليه ثناء لسان الزّهر، على راحة المطر. أثنى عليه ثناء العطشان الوارد، على الزّلال البارد. شكره شكر الأرض للدّيم [1] ، وزهير لهرم. بسط لسان الثناء والدعاء، وبلغ عنان الشكر عنان السماء. شكره شكرا ترتاح له المكارم، وتهتزّ له المواسم. لأشكرنّه شكرا تشيع أنواعه، وتنبسط أبواعه [2] ، ويلذّ ذكره وسماعه. شكر ملأ القلب واللسان، كشكر حسّان لآل غسّان. أطال عنان الشكر، وفسح مجاله، ورفع أعمدته، ومدّ أروقته. شكر كأنفاس الأحباب، أو أنفاس الأسحار، أو أنفاس الرّياض غبّ القطار.
رجع إلى ما انقطع:
كان سبب قول نصيب: [الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله
أنه كان مع الفرزدق عند سليمان بن عبد الملك، فقال سليمان بن عبد الملك: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين، قال: لماذا؟ قال: بقولي [3] :
[الطويل]
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب [4]
سروا وسرت نكباء وهي تلفّهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب [5]
إذا آنسوا نارا يقولون: ليتها، ... وقد خصرت أيديهم نار غالب [6]
يريد أباه وهو غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان ابن مجاشع فأعرض عنه سليمان كالمغضب لأنه إنما أراد أن ينشد مدحا فيه ففهم نصيب مراده، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قلت أبياتا على هذا الرويّ ليست بدونها، فقال:
(1) الدّيم: جمع ديمة وهي مطر يدوم في سكون بلا رعد وبرق. القاموس المحيط (ديم) .
(2) الأبواع: جمع باع وهو قدر مدّ اليدين. القاموس المحيط (بوع) .
(3) لم ترد هذه الأبيات في ديوان الفرزدق، وقد وردت في الشعر والشعراء (ص 323) .
(4) في الشعر والشعراء: «تطلب منهم لها سلبا من جذبها» . والتّرة، بكسر التاء وفتح الراء: الذّحل (الثأر) . القاموس المحيط (وتر) و (ذحل) .
(5) رواية صدر البيت في الشعر والشعراء هي: سروا يركبون الريح وهي تلفّهم.
والنّكباء: ريح انحرفت. والأكوار: جمع كور وهو الرّحل. والحقائب: جمع حقيبة وهي كل ما شدّ في مؤخّر الرّحل. القاموس المحيط (نكب) و (كور) و (حقب) .
(6) في الشعر والشعراء: «إذا استوضحوا نارا يقولون» .