ولم يجد لخلاف الواثق سبيلا. فوكّل بعض غلمانه بمراقبة موافاته، فإذا أقبل أخبره فنهض يركع، فقال ابن الزيات: [الكامل]
صلّى الضّحى لمّا استفاد عداوتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم
لا تعدمنّ عداوة موسومة ... تركتك تقعد بعدها وتقوم
وقال الواثق يوما لابن أبي دواد تضجّرا بكثرة حوائجه: قد أخليت بيوت الأموال بطلباتك للّائذين بك، والمتوسّلين إليك. فقال: يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متّصلة بك، وذخائرها موصولة لك، وما لي من ذلك إلّا عشق اتصال الألسن بخلود المدح، فقال: والله لا منعناك ما يزيد في عشقك، ويقوّي في همّتك فينا ولنا وأمر فأخرج له خمسة وثلاثون ألف درهم.
قال أبو العيناء: [قلت] لابن أبي دواد: إنّ قوما من أهل البصرة قدموا إلى سرّ من رأى يدا عليّ، فقال: يد الله فوق أيديهم. فقلت: إنّ لهم مكرا، فقال: {وَلََا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلََّا بِأَهْلِهِ} [1] فقلت: إنّهم كثير. قال: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللََّهِ وَاللََّهُ مَعَ الصََّابِرِينَ} [2] ، فقلت: لله درّ القاضي فهو كما قالت الصّموت الكلابية:
[الكامل]
لله درّك أي جنّة خائف ... ومتاع دنيا أنت للحدثان
متخمّط يطأ الرجال شهامة ... وطء الفنيق مدارج القردان [3]
ويكبّهم حتى تظلّ رؤوسهم ... مأمومة تنحطّ للغربان
ويفرج الباب الشديد رتاجه ... حتى يصير كأنه بابان
وكانت هذه المجاوبة بين أبي العيناء وبين أبي العلاء المنقري، وكان قد استجاش عليه قوما من أهل البصرة.
ابن ميادة [4] : [الطويل]
ألا ليت شعري هل يحلّنّ أهلنا ... وأهلك روضات ببطن اللّوى خضرا
(1) سورة فاطر 35، الآية 43.
(2) سورة البقرة، الآية 249.
(3) المتخمّط: المتكبر. الفنيق: الفحل من الإبل المكرم عند أهله. القردان: جمع قراد وهو دويّبة تتعلّق بالبعير ونحوه، وهي كالقمل للإنسان. لسان العرب ومحيط المحيط (خمط) و (فنق) و (قرد) .
(4) ابن ميادة: هو الرمّاح بن أبرد، اشتهر بنسبته إلى أمه ميادة. شاعر رقيق، هجاء، توفي سنة 149هـ.