فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 993

وهذا شبيه بقول عديّ بن زيد، وقد نزل النعمان بن المنذر تحت سرحة، فقال:

أتدري ما تقول هذه السّرحة أيها الملك؟ قال: وما تقول؟ قال: تقول: [الرمل]

ربّ ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزّلال

ثم أضحوا لعب الدّهر بهم ... وكذاك الدّهر حالا بعد حال

ويروى «عكف الدّهر بهم فثووا» [1] . فتكدّر حال النّعمان وما كان فيه من لذّة.

لو سكت الشّاكر لنطقت المآثر. لو صمت المخاطب لأثنت الحقائب، ولشهدت شواهد حاله، على صدق مقاله. إن جحدت ما أولانيه، كفرت ما أعطانيه، نطقت آثار أياديه عليّ، ولمعت أعلام عوارفه [2] لديّ.

ولأبي الفضل الميكالي من رسالة: ورد فلان فتعاطى من شكره على نعمه التي ألبسه جمالها، وأسحبه أذيالها، ما لو لم يتحدّث به ناشرا ومثنيا، ومعيدا ومبديا، لأثنت به حاله، وشهدت به رحاله، حتى لقد امتلأت بذكره المحافل، وسارت بحبره الرّكبان والقوافل، وصارت الألسنة على الشكر والثناء لسانا، والجماعة على النّشر والدعاء أنصارا وأعوانا، على أنه وإن بالغ في هذا الباب، وجاوز حدّ الإكثار والإسهاب، نهايته القصور دون واجبه، والسقوط عن أدنى درجاته ومراتبه.

ومما يقترن لهم بهذا المعنى من ذكر الشكر: قال أبو الفتح البستي [3] : الحرّ نحل الشكر، إن أجناه المرء من خيره شكرا أجناه من برّه شهدا.

غيره: الشكر ترجمان النيّة، ولسان الطّوّية، وشاهد الإخلاص، وعنوان الاختصاص. الشكر نسيم النّعم، وهو السبب إلى الزيادة، والطريق إلى السعادة. الشكر قيد النّعمة، ومفتاح المزيد، وثمن الجنّة. من شكر قليلا، استحقّ جزيلا. شكر المولى، هو الأولى. الشكر قيد النّعم وشكالها، وعقالها، وهو شبيه بالوحش التي لا تقيم مع الإيحاش، ولا تريم [4] مع الإيناس. موقع الشكر من النعمة موقع القرى من الضيف، إن وجده لم يرم، وإن فقده لم يقم. الشكر غرس إذا أودع سمع الكريم أثمر الزيادة، وحفظ العادة. الشكر تعرّض للمزيد السائغ، والنّعم السّوابغ. شكره شكر الأسير لمن أطلقه،

(1) هكذا ينكسر الوزن، وهو لو قال: «عكف الدهر بهم ثمّ ثووا» لكان الوزن سليما.

(2) العوارف: جمع عارفة وهي المعروف. القاموس المحيط (عرف) .

(3) قول البستي في يتيمة الدهر (ج 4ص 306) .

(4) تريم: تنطلق وتذهب. لسان العرب (ريم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت