لهم مثابة [1] ، وللخليل خطّة، وللذبيح خلّة، ولمحمد، صلى الله عليه وسلم، قبلة، ولأمّته كعبة، ودعا إليه حتى لبّى من كلّ مكان سحيق، وأسرع نحوه من كلّ فجّ عميق، يعود عنه من وفّق وقد قبلت توبته، وغفرت حوبته [2] ، وسعدت سفرته، وأنجحت أوبته، وحمد سعيه، وزكا حجّه، وتقبل عجّه وثجّه [3] . انصرف مولاي عن الحجّ الذي انتضى له عزائمه، وأنضى فيه رواحله، وأتعب نفسه بطلب راحتها، وأنفق ذخائره بشراء سعة الجنّة وساحتها فقد زكت، إن شاء الله تعالى، أفعاله وتقبّلت أعماله، وشكر سعيه، وبلغ هديه. قد أسقطت عن ظهرك الثقل العظيم، وشهدت الموقف الكريم، ومحصت عن نفسك بالسّعي من الفجّ [4] العميق، إلى البيت العتيق. حمدا لمن سهّل عليك قضاء فريضة الحج، ورؤية المشعر والمقام، وبركة الأدعية والموسم، وسعادة أفنية الحطيم وزمزم، قصد أكرم المقاصد، وشهد أشرف المشاهد فورد مشارع الجنّة، وخيّم بمنازل الرحمة. وقد جمعت مواهب الله لديك: فالحجّ أدّيت فرضه، وحرم الله وطئت أرضه، والمقام الكريم قمته، والحجر الأسود استلمته، وزرت قبر النبي، صلى الله عليه وسلم، مشافها لمشهده، ومشاهدا لمسجده، ومباشرا باديه ومحضره، وماشيا بين قبره ومنبره، ومصلّيا عليه حيث صلّى، ومتقربا إليه بالقرابة العظمى، وعدت وسعيك مشكور، وذنبك مغفور، وتجارتك رابحة، والبركات عليك غادية ورائحة. تلقّى الله دعاءك بالإجابة، واستغفارك بالرضا، وأملك بالنّجح، وجعل سعيك مشكورا، وحجّك مبرورا. عرّف الله تعالى مولاي مناهج ما نواه، وقصده وتوخّاه، ما يسعده في دنياه، ويحمد عقباه.
قال أبو حاتم: أتيت أبا عبيدة ومعي شعر عروة بن الورد، فقال لي: ما معك؟
قلت: شعر عروة، قال: شعر فقير، يحمله فقير، ليقرأه على فقير! قلت: ما معي [شعر] غيره فأنشدني أنت ما شئت، فأنشدني: [البسيط]
يا ربّ ظلّ عقاب قد وقيت به ... مهري من الشمس والأبطال تجتلد [5]
(1) المثابة: المكان الذي يثاب إليه أي يرجع إليه مرة بعد أخرى. محيط المحيط (ثوب) .
(2) الحوبة: الإثم. محيط المحيط (حوب) .
(3) العجّ: رفع الصوت في التلبية، والثّجّ: سيلان دماء الهدي. محيط المحيط (عجج) .
(4) الفجّ: الطريق الواسع الواضح بين جبلين. محيط المحيط (فجج) .
(5) العقاب، بضم العين: الراية، وكانت راية الرسول، عليه الصلاة والسلام، تسمّى العقاب. تجتلد:
يجالد بعضها بعضا. لسان العرب ومحيط المحيط (عقب) و (جلد) .