فلمّا بلغ هذا البيت جعل ذلك النائم يمسح عينيه ويقول: أذو الرّميمة يمنعني النوم بشعر غير مثقّف ولا سائر؟ فقلت: يا غيلان، من هذا؟ فقال: الفريزد، يعني الفرزدق، وحمي ذو الرمة: [المتقارب]
وأمّا مجاشع الأرذلون ... فلم يسق ميّتهم راجس
سيعقلهم عن مساعي الكرام ... عقال، ويحبسهم حابس
فقلت: الآن [يشرق فيثور، و] يعمّ الفرزدق هذا وقبيله بالهجاء. فوالله ما زاد على أن قال: قبحا لك يا ذا الرّميمة! أتعرض لمثلي بمقال منتحل؟ ثم عاد في نومه كأن لم يسمع شيئا، وسار ذو الرّمة وسرت، وإني لأرى فيه انكسارا حتى افترقنا.
قوله فيما ولد على الفرزدق «بمقال منتحل» ، يريد أن البيت الأخير منقول من قول جرير: [الطويل]
ألم تر أنّ الله أخزى مجاشعا ... إذا ما أفاضت في الحديث المجالس
وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن المجد حابس
عقال: ابن محمد بن [سعيد بن] مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو جدّ الفرزدق. وحابس: ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وهو أبو الأقرع بن حابس أحد المؤلّفة قلوبهم.
قيل لابن الزّبعرى: لم تقصّر أشعارك؟ فقال: لأنها أعلق بالمسامع، وأجول في المحافل.
وقيل ذلك لعقيل بن علّفة في أهاجيه، فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
غيره: لسان الشاعر أرض لا تخرج الزهر حتى تستسلف المطر، وما ظنّك بقوم الاقتصار محمود إلّا فيهم، والكذب مذموم إلّا منهم. إياكم والشاعر فإنه يطلب على الكذب مثوبة، ويقرع جليسه بأدنى زلّة.
أبو القاسم الصاحب بن عباد: النثر يتطاير كتطاير الشّرر، والنظم يبقى بقاء النّقش في الحجر.
أبو عبيدة: الزّحاف في الشعر كالرّخصة في الدين، لا يقدم عليها إلّا فقيه.
وقال أبو فراس الحمداني (1) : [مخلع البسيط]