فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 993

بي رافعا صوته بالسلام. فقلت: من الراكب الجهير الكلام، المحيّي بتحيّة الإسلام؟

فقال: أنا غيلان بن عقبة. فقلت: مرحبا بالكريم حسبه، الشهير نسبه، السائر منطقه.

فقال: رحب واديك، وعزّ ناديك، فمن أنت؟ قلت: عصمة بن بدر الفزاري. فقال:

حيّاك الله، نعم الصديق، والصاحب والرفيق. وسرنا فلمّا هجّرنا قال: ألا نغوّر [1]

يا عصمة، فقد صهرتنا الشمس؟ فقلت: أنت وذاك، فملنا إلى شجرات ألاء [2] كأنهنّ عذارى متبرّجات، قد نشرن الغدائر، وسرّحن الضفائر لأثلاث متناوحات فحططنا رحالنا، ونلنا من الطعام، وكان ذو الرمة زهيد الأكل. وزال كلّ منّا إلى ظل أثلة يريد القائلة، واضطجع ذو الرّمة، وأردت أن أصنع صنيعه، فولّيت ظهري الأرض، وعيناي لا يملكهما غمض، فنظرت غير بعيد إلى ناقة كوماء [3] ، ضحيت وغبيطها ملقى [4] ، وإذا رجل قائم يكلؤها كأنه عسيف أو أسيف [5] ، فلهيت عنهما، وما أنا والسؤال عما لا يعنيني! ونام ذو الرّمة غرارا، ثم انتبه، وكان ذلك في أيام مهاجاته لذلك المرّيّ. فرفع عقيرته ينشد فيه: [المتقارب]

أمن ميّة الطّلل الدارس ... ألظّ به العاصف الرّامس

فلم يبق إلّا شجيج القذال ... ومستوقد ما له قابس

وحوض تثلّم من جانبيه ... ومحتفل دائر طامس

وعهدي به وبه سكنه ... وميّة والإنس والآنس

ستأتي امرأ القيس مأثورة ... يغنّي بها العابر الجالس

ألم تر أنّ امرأ القيس قد ... ألظّ به داؤه الناجس

هم القوم لا يألمون الهجاء ... وهل يألم الحجر اليابس؟

فما لهم في الفلا راكب ... ولا لهم في الوغى فارس

إذا طمح الناس للمكرمات ... فطرفهم المطرق الناعس

تعاف الأكارم إصهارهم ... فكل نسائهم عانس

زبد الجمل يقذفه من فيه. جعد اللّغام: أي كثير الزبد. محيط المحيط (ورق) و (لغم) و (جعد) .

(1) نغوّر: نقيل يقال: غوّر الرجل إذا أتى الغور ليحتمي من حرّ الشمس. محيط المحيط (غور) .

(2) الألاء: جمع ألاءة وألاء وهي شجرة دائمة الخضرة حسنة المنظر. محيط المحيط (ألى) .

(3) الناقة الكوماء: الضخمة السنام. محيط المحيط (كوم) .

(4) ضحيت: أصابتها الشمس بحرّها. غبيط الناقة: رحلها يشدّ عليه الهودج. محيط المحيط (ضحى) و (غبط) .

(5) العسيف: الأجير. الأسيف: العبد المملوك. محيط المحيط (عسف) و (سيف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت