قلنا: فلو أريت من أشعارك، ورويت من أخبارك، قال: خذهما في معرض واحد، أنشد: [الرجز]
أما تروني أتغشّى طمرا ... ملتحفا في الضّرّ أمرا إمرا [1]
منطويا على الليالي غمرا ... ملاقيا منها صروفا حمرا
أقصى أمانيّ طلوع الشّعرى ... فقد عنينا بالأماني دهرا
وكان هذا الحرّ أعلى قدرا ... وماء هذا الوجه أغلى سعرا
ضربت للسّرو قبابا خضرا ... في دار دارا وإوان كسرى
فانقلب الدهر لبطن ظهرا ... وعاد عرف العيش عندي نكرا
لم يبق من وفري إلّا ذكرا ... ثمّ إلى اليوم هلمّ جرّا
لولا عجوز لي بسرّ من را ... وأفرخ دون جبال بصرى
قد جلب الدّهر إليهم شرّا ... قتلت، يا سادة، نفسي صبرا!
قال عيسى بن هشام: فنلته ما تاح [2] ، وأعرض عنّا فراح، وجعلت أنفيه وأثبته، وأنكره وكأني أعرفه، ثم دلّتني عليه ثناياه، فقلت: الإسكندري والله فلقد كان فارقنا خشفا [3] ، ووافانا جلفا، ونهضت على إثره، ثم قبضت على خصره، وقلت: ألست أبا الفتح؟ ألم تكن فينا وليدا، ولبثت فينا من عمرك سنين؟ فأيّ عجوز لك بسرّ من رأى؟
فضحك وقال: [مخلع البسيط]
ويحك هذا الزمان زور ... فلا يغرّنّك الغرور
غرّق وبرّق وكل وطرّق ... واسرق وطلبق لمن تزور
لا تلتزم حالة ولكن ... در لليالي كما تدور
ومن إنشائه مقامة ولدها على لسان عصمة وذي الرمة قال: حدّثنا عيسى بن هشام قال: بينا نحن في مجتمع لنا ومعنا يومئذ رجل العرب حفظا ورواية عصمة بن بدر الفزاري، فأفضى الكلام إلى ذكر من أعرض عن خصمه حلما، أو أعرض عنه خصمه احتقارا، حتى ذكر الصّلتان العبدي واللّعين المنقري، وما كان من احتقار جرير والفرزدق لهما. فقال عصمة: سأحدّثكم بما شاهدته عيني، ولا أحدّثكم عن غيري: بينا أنا أسير في بلاد تميم مرتحلا نجيبة، وقائدا جنيبة، عنّ لي راكب على أورق جعد اللّغام [4] ، فاجتاز
(1) الطّمر: الثوب الخلق أو الكساء البالي. الإمر: المنكر. محيط المحيط (طمر) و (أمر) .
(2) تاح له الشيء: تهيّأ. محيط المحيط (تيح) .
(3) الخشف: ولد الظبي. محيط المحيط (خشف) .
(4) الأورق من الإبل: ما في لونه بياض إلى سواد وهو من أطيب الإبل لحما لا عملا وسيرا. اللّغام،