فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 993

ومما ينحو هذا النحو من مقامات أبي الفتح الإسكندري إنشاء بديع الزمان قال:

حدّثنا عيسى بن هشام قال: طرحتني النوى مطارحها، حتى إذا وطئت جرجان الأقصى، فاستظهرت على الأيام بضياع أجلت فيها يد العمارة، وأموال وقفتها على التجارة، وحانوت جعلته مثابة [1] ، ورفقة اتخذتهم صحابة، وجعلت للدار حاشيتي النهار، والحانوت ما بينهما فجلسنا يوما نتذاكر الشعر والشعراء، وتلقاءنا شاب قد جلس غير بعيد، ينصت وكأنه يفهم، ويسكت وكأنه لا يعلم، حتى إذا مال الكلام بنا ميله، وجرّ الجدل فينا ذيله، قال: أصبتم عذيقه [2] ، ووافيتم جذيله، ولو شئت للفظت [فأفضت] ، ولو أردت لسردت، ولجلوت الحقّ في معرض بيان يسمع الصم، وينزل العصم. فقلت:

يا فاضل، ادن فقد منّيت، وهات فقد أثنيت، فدنا وقال: سلوني أجبكم، واستمعوا أعجبكم.

قلنا: فما تقول في امرىء القيس؟ قال: هو أول من وقف بالديار وعرصاتها، واغتدى والطير في وكناتها، ووصف الخيل بصفاتها، ولم يقل الشعر كاسبا، ولم يجد القول راغبا، ففضل من تفتّق للحيلة لسانه، وانتجع للرغبة بنانه.

قلنا: وما تقول في النابغة؟ قال: ينسب إذا عشق، ويثلب إذا حنق، ويمدح إذا رغب، ويعتذر إذا رهب، فلا يرمي إلّا صائبا.

قلنا: فما تقول في طرفة؟ قال: هو ماء الأشعار وطينتها، وكنز القوافي ومدينتها، مات ولم تظهر أسرار دفائنه، ولم تطلق عتاق خزائنه.

قلنا: فما تقول[في زهير؟ قال: يذيب الشعر والشعر يذيبه، ويدعو القول والسّحر يجيبه.

قلنا: فما تقول]في جرير والفرزدق؟ وأيهما أسبق؟ قال: جرير أرقّ شعرا، وأغزر غزرا، والفرزدق أمتن صخرا، وأكثر فخرا، وجرير أوجع هجوا، وأشرف يوما، والفرزدق أكثر روما [3] ، وأكثر قوما، وجرير إذا نسب أشجى، وإذا ثلب أردى، وإذا مدح أسنى، والفرزدق إذا افتخر أجزى، وإذا وصف أوفى، وإذا احتقر أزرى.

قلنا: فما تقول في المحدثين من الشعراء والمتقدّمين منهم؟ قال: المتقدمون أشرف لفظا، وأكثر في المعاني حظا، والمتأخّرون ألطف صنعا، وأرق نسجا.

(1) المثابة: المكان يرجع إليه كلما أراد. لسان العرب (ثوب) .

(2) العذيق: تصغير عذق وهو النخلة بحملها. محيط المحيط (عذق) .

(3) الرّوم: الطلب. القاموس المحيط (روم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت