فهرس الكتاب

الصفحة 567 من 993

ولي في أحمد أمل بعيد ... ومدح حين أنشده طريف

مدائح لو مدحت بها الليالي ... لما دارت عليّ لها صروف

قال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: صف لي جريرا والفرزدق والأخطل، فقال: يا أمير المؤمنين، أما أعظمهم فخرا، وأبعدهم ذكرا، وأحسنهم عذرا، وأسيرهم مثلا، وأقلّهم غزلا، وأحلاهم عللا، البحر الطامي إذا زخر، والحامي إذا ذعر، والسامي إذا خطر،[الذي إذا هدر جال، وإذا خطر صال، الفصيح اللسان، الطويل العنان، فالفرزدق. وأما أحسنهم نعتا، وأمدحهم بيتا، وأقلّهم فوتا، الذي إن هجا وضع، وإن مدح رفع، فالأخطل. وأما أغزرهم بحرا، وأرقهم شعرا، وأكثرهم ذكرا، الأغرّ الأبلق، الذي إن طلب لم يسبق، وإن طلب لم يلحق، فجرير. وكلّهم ذكيّ الفؤاد، رفيع العماد، واري الزناد.

قال مسلمة بن عبد الملك، وكان حاضرا: ما سمعنا يا ابن صفوان في الأولين ولا في الآخرين، أشهد أنك أحسنهم وصفا، وألينهم عطفا، وأخفّهم مقالا، وأكرمهم فعالا.

فقال خالد: أتمّ الله عليك نعمه، وأجزل لك قسمه. أنت والله أيها الأمير ما علمت كريم الغراس، عالم بالناس، جواد في المحل، بسّام عند البذل، حليم عند الطّيش، في الذّروة من قريش، من أشراف عبد شمس، ويومك خير من الأمس.

فضحك هشام وقال: ما رأيت مثلك يا ابن صفوان لتخلّصك في مدح هؤلاء، ووصفهم، حتى أرضيتهم جميعا وسلمت منهم.

ودخل العجّاج على عبد الملك بن مروان فقال له: بلغني أنك لا تحسن الهجاء، فقال: يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية، أمكنه خراب الأخبية، قال:

ما يمنعك من ذلك؟ قال: إنّ لنا عزّا يمنعنا من أن نظلم، وحلما يمنعنا من أن نظلم، قال:

لكلماتك أحسن من شعرك! فما العزّ الذي يمنعك أن تظلم؟ قال: الأدب [البارع، والفهم الناصع. قال: فما الحلم الذي يمنعك من أن تظلم؟ قال: الأدب] المستطرف، والطبع التّالد، قال: لقد أصبحت حكيما. قال: وما يمنعني من ذلك وأنا نجيّ أمير المؤمنين؟.

قال أبو إسحاق: وليس كما قال العجاج، بل لكثير من الشعراء طباع تنبو عن الهجاء كالطائي [1] وأضرابه، وأصحاب المطبوع أقدر عليه من أهل المصنوع، إذ كان الهجو كالنادرة التي إذا جرت على سجيّة قائلها، وقربت من يد متناولها، وكان واسع العطن، كثير الفطن، قريب القلب من اللسان، التهبت بنار الإحسان.

(1) الطائي: هو أبو تمام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت