وعلى مثل سيدنا، ولا مثل له، أن يقبل ويشرف. لليوم رسم إن أخلّ به الأولياء عدّ هفوة، وإن منع منه الرؤساء حسب جفوة، ومولاي يسوّغني الدّالة فيما اقترن بالرّقعة، ويكسبني بذلك الشرف والرفعة. الهدايا تكون من الرؤساء مكاثرة بالفضل، ومن النظراء مقارضة بالمثل، ومن الأولياء ملاطفة بالقلّ [1] ، وقد سلكت في هذا اليوم مع مولاي سبيل أهل طبقته من الأرباب، وقد حملت إلى مولاي هدية [الملاطف، لا هدية] المحتفل، والنفس له، والمال منه.
هذا اليوم غرّة في أيام الدهر، وتاج على مفرق العصر. أسعد الله مولانا بنوروزه الوارد عليه، وأعاده ما شاء وكيف شاء إليه. أسعد الله تعالى سيدنا بالنوروز الطالع عليه ببركاته، وأيمن طائره في جميع أيامه ومتصرّفاته ولا يزال يلبس الأيام ويبليها وهو جديد، ويقطع مسافة نحسها وسعدها وهو سعيد. أقبل النيروز إلى سيدنا ناشرا حلله التي استعارها من شيمته، ومبديا حالته التي اتّخذها من سجيّته، ومستصحبا من أنواره ما اكتساه من محاسن فضله وإكرامه، ومن أنظاره ما اقتبسه من جوده وإنعامه. ويوكد الوعد بطول بقائه حتى يملّ العمر، ويستغرق الدهر. سيدنا هو الربيع الذي لا يذبل شجره، [ولا يزول سحره] ولا ينقطع ثمره، ولا يقلع غمامه، ولا تتبدّل أيامه فأسعده الله تعالى بهذا الربيع المتشبّه بأخلاقه، وإن لم ينل قدرها، ولم يحمل فضلها، ولم يجد بدّا من الإقرار بها.
سيدنا هو الربيع الذي يتّصل مطره، من حيث يؤمن ضرره، ويدوم زهره، من حيث يتعجّل ثمره فلا زال آمرا ناهيا، قاهرا عاليا، تتهيّأ الأعياد بمصادفة سلطانه، وتستفيد المحاسن من رياض إحسانه. أسعد الله سيدنا بهذا النّوروز الحاضر، الجديد الناضر، سعادة تستمرّ له في جميع أيامه على العموم دون الخصوص، لتكون متشابهات [في اكتناف] المواهب لها، واتصال المسار فيها، لا يفرق إلّا بمقدار يزيد التالي على الخالي، ويدرج الآني على الماضي. عرّف الله سيدنا بركة هذا المهرجان، وأسعده فيه، وفي كل زمان وأوان، وأبقاه ما شاء في ظلال الأماني والأمان. هذا اليوم من محاسن الدهر المشهورة، وفضائل الأزمنة المذكورة، فلقّى الله تعالى سيدنا بركة وروده، وأجزل حظّه من أقسام سعوده، هذا اليوم من غرر الدهور، ومواسم السرور، معظّم في الملك الفارسي، مستظرف في الملك العربي فوفر الله تعالى فيه على مولاي السعادات، وعرّفه في أيامه البركات، على الساعات واللحظات.
(1) القلّ، بضم القاف وتشديد اللام: القليل. محيط المحيط (قلل) .