وصلت رقعتك، ففضضتها عن خطّ مشرق، ولفظ مونق، وعبارة مصيبة، ومعان غريبة، واتساع في البلاغة يعجز عنه عبد الحميد في كتابته، وقسّ وسحبان في خطابته وتصرّف بين جدّ أمضى من القدر، وهزل أرقّ من نسيم السّحر، وتقلّب في وجوه الخطاب، الجامع للصّواب إلّا أنّ الفعل قصّر عن القول لأنك ذكرت حملا، جعلته بصفتك جملا، فكان المعيديّ الذي تسمع به ولا أن تراه [1] . وحضر فرأيت كبشا متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدّهور، وتعاقبت عليه العصور، فظننته أحد الزّوجين اللذين جعلهما نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذرّيته صغر عن الكبر، ولطف عن القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته، وعاد ناحلا ضئيلا، باليا هزيلا، بادي السّقام، عاري العظام، جامعا للمعايب، مشتملا على المثالب [2] ، يعجب العاقل من حلول الحياة به، وتأتّي الحركة فيه لأنه عظم مجلّد، وصوف ملبّد، لا تجد فوق عظامه سلبا [3] ، ولا تلقى يدك منه إلّا خشبا، لو ألقي إلى السّبع لأباه، ولو طرح للذئب لعافه وقلاه، قد طال للكلإ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير ألقتّ [4] إلّا نائما، ولا عرف الشعير إلّا حالما، وقد خيّرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الرّحل فملت إلى استبقائه لما تعرف من محبتي من التوفير، ورغتبي للتّثمير، وجمعي للولد، وادّخاري لغد، فلم أجد فيه مستمتعا للبقاء، ولا مدفعا للفناء لأنه ليس بأنثى فتحمل، ولا بفتى فينسل، ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم فيبقى فملت إلى الثاني من رأييك، وعوّلت على الآخر من قوليك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطبا مقام قديد [5] الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار، وحدّت الشّفار، وشمّر الجزّار:
[البسيط]
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم
(1) أخذه من المثل: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» ، يضرب لمن خبره خير من مرآه. مجمع الأمثال (ج 1ص 129، رقم المثل 655) .
(2) المثالب: جمع مثلبة، وهي العيب. القاموس المحيط (ثلب) .
(3) السّلب، بالفتح: ما يسلب. القاموس المحيط (سلب) .
(4) القتّ: الرطب من علف الدوابّ. القاموس المحيط (قتت) .
(5) القديد: اللحم المشرّر المقدّد. القاموس المحيط (قدد) .