ودخل أبو الصقر قبل وزارته على صاعد بن مخلد، وهو الوزير حينئذ، وفي المجلس أبو العباس بن ثوابة، فسأل الوزير عن رجل، فقال: أنفي، يريد نفي، فقال ابن ثوابة: في الخرء، فتضاحك به أهل المجلس، فقام أبو الصقر مغضبا.
وكان أبو العيناء يعادي ابن ثوابة لمعاداته لأبي صقر فاجتمعا في مجلس صاعد في غد ذلك اليوم، فتلاحيا، فقال ابن ثوابة: أما تعرفني؟ فقال: بلى أعرفك ضيّق الطعن، كثير الوسن، خارّا على الذّقن [1] ، وقد بلغني تعدّيك على أبي الصقر، وإنّما حلم عنك لأنه لم يجد لك عزّا فيذلّه، ولا علوّا فيضعه، ولا مجدا فيهدمه فعاف لحمك أن يأكله، ودمك أن يسفكه، فقال ابن ثوابة: ما تسابّ إنسانان إلّا غلب ألأمهما، فقال أبو العيناء:
فلهذا غلبت بالأمس أبا الصقر!.
ومما يعدّ من مكارم أبي الصقر أن ابن ثوابة دخل عليه في وزارته، فقال: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنّا لخاطئين، فقال الصقر: لا تثريب عليك [2] ، يغفر الله لك [وهو أرحم الراحمين] ، فما قصّر في الإحسان إليه، والإنعام عليه، مدة وزارته.
ولمّا ولي أبو ال صقر الوزارة خير أبا العيناء فيما يحبّه حتى يفعله به، فقال: أريد أن يكتب [لي وزيرا] إلى أحمد بن محمد الطائي يعرّفه مكاني، ويلزمه قضاء حق مثلي.
فكتب إليه كتابا بخطّه، فوصّله إلى الطائي، فسبب له في مدة شهر مقدار ألف دينار، وعاشرة أجمل عشرة، فانصرف بجميع ما يحبّه.
وكتب إلى أبي الصقر كتابا مضمنه: أنا أعزّك الله طليقك من الفقر، ونقيذك من البؤس، أخذت بيدي عند عثرة الدهر، وكبوة الكبر، وعلى أية حال حين فقدت الأولياء والأشكال والإخوان والأمثال، الذين يفهمون في غير تعب، وهم الناس الدين كانوا غياثا
(1) الذّقن، بالفتح: مجتمع اللحيين من أسفلهما. محيط المحيط (ذقن) .
(2) لا تثريب عليك: لا تخليط ولا فساد. محيط المحيط (ثرب) .