فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 993

وقال أبو العباس المبرد: قال الحسن بن سهل لسالم الحراري: ما المنزلة التي إذا نزل بها الكاتب كان كاتبا في قوله وفعله واستحقاقه؟ قال: أن يكون مطبوعا على المعرفة، محتنكا بالتجربة، عارفا بحلال الكتاب وحرامه، وبالدهور في تصرّفها وأحكامها، وبالملوك في سيرها وأيامها، وأجناس الخط، وبادية الأقلام، مع تشاكل اللفظ وقرب المأخذ. قال الحسن: فليس في الدنيا إذا كاتب].

وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام.

وقيل للرومي: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة.

وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة.

وقيل للفارسي: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل.

وقال علي بن عيسى الرّمّاني: البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ.

[قال علي بن عيسى الرماني] : أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقلّ مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه.

أبلغ الكلام ما يؤنس مسمعه، ويوئس مضيّعه.

البليغ من يجتني من الألفاظ أنوارها [1] ، ومن المعاني ثمارها.

ليست البلاغة أن يطال عنان القلم أو سنانه، أو يبسط رهان القول وميدانه، بل هي أن يبلغ أمد المراد بألفاظ أعيان، ومعان أفراد، من حيث لا تزيّد على الحاجة، ولا إخلال يفضي إلى الفاقة.

البلاغة ميدان لا يقطع إلّا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلّا ببصائر البيان.

فلان يعبث بالكلام، ويقوده بألين زمام، حتى كأنّ الألفاظ تتحاسد في التسابق إلى خواطره، والمعاني تتغاير في الانثيال على أنامله.

هذا كقول أبي تمام الطائي [2] : [البسيط]

تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل

(1) الأنوار: جمع نور وهو الزهر أو الأبيض منه، لسان العرب (نور) .

(2) ديوان أبي تمام (ص 201) من قصيدة مديح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت