وقرأ الزبير بن بكار أخبار أبي السائب [المخزومي] فلمّا بلغ إلى قول مالك بن أسماء الفزاري: [الكامل]
بكت الديار لفقد ساكنها ... أفعند قلبي أبتغي الصّبرا؟
هذا البيت نظير قول ابن وهيب: [الكامل]
بينا هم سكن بحيرتهم ... ذكروا الفراق فأصبحوا سفرا
فظلت ذا وله يعاتبني ... من لا يرى أمري له أمرا
وإن أبا السائب قال عند سماع البيت الأوسط: ما أسرع هذا! أما اهتدوا! أما قدّموا ركابا؟ أما ودّعوا صديقا؟ فقال الزبير: رحم الله أبا السائب! فكيف لو سمع قول العباس بن الأحنف: [الخفيف]
سألونا عن حالنا كيف أنتم ... فقرنّا وداعنا بالسؤال
ما أنخنا حتى ارتحلنا فما فرّقن ... بين النزول والإرتحال [1] ؟
هكذا رواه الزبير بن بكار لمالك بن أسماء، ورواها غيره لأيوب بن شبيب الباهلي.
دار لبست البلى، وتعطّلت من الحلى. دار قد صارت من أهلها خالية، بعد ما كانت بهم حالية. دار قد أنفد البين سكانها، وأقعد حيطانها، شاهد اليأس منها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر، كأنّ عمرانها يطوى وخرابها ينشر، أركانها قيام وقعود، وحيطانها ركّع وهجود.
يشبه الأول من قول مالك بن أسماء قول مزاحم العقيلي: [الطويل]
بكت دارهم من فقدهم فتهلّلت ... دموعي، فأيّ الجازعين ألوم؟
أمستعبر يبكي على الهون والبلى ... أم آخر يبكي شجوه فيهيم؟
أبو الطيب المتنبي [2] : [الكامل]
لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهنّ منك أواهل
يعلمن ذاك، وما علمت، وإنما ... أولاكما يبكي عليه العاقل
(1) أصل القول: «الارتحال» بهمزة وصل، وهنا جعل همزة الوصل همزة قطع كي لا ينكسر الوزن.
(2) ديوان المتنبي (ص 180179) .