فهرس الكتاب

الصفحة 618 من 993

وعزائم لو كنّ يوما أسهما ... لنفذن في الأيام غير نواب [1]

مائية الجريان إلّا أنها ... ناريّة الإقدام والإلهاب

يخطرن بين سياسة ورياسة ... ويتهن بين مثوبة وعقاب

قال أبو عبد الله بن حمدون النديم: لقد رأيت الملوك في مقاصيرها، ومجامع حفلها، فما رأيت أغزر أدبا من الواثق خرج علينا ذات يوم وهو يقول: لقد عرض عرضة من عرضه لقول الخزاعي، يريد دعبلا: [الطويل]

خليليّ ماذا أرتجي من غد امرىء ... طوى الكشح عني اليوم وهو مكين [2]

وإنّ امرأ قد ضنّ عني بمنطق ... يسدّ به من خلتي لضنين

فانبرى أحمد بن أبي دواد يسأله كأنما نشط من عقال في رجل من أهل اليمامة فأطنب وأسهب، وذهب في القول كل مذهب فقال الواثق: يا أبا عبد الله، لقد أكثرت في غير كبير، ولا طيّب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه صديقي: [الطويل]

وأهون ما يعطي الصديق صديقه ... من الهيّن الموجود أن يتكلّما

فقال: وما قدر اليمامي أن يكون صديقك، وإنما أحسبه أن يكون من عرض معارفك؟. قال: يا أمير المؤمنين، إنه شهرني بالاستشفاع إليك، وجعلني بمرأى ومسمع من الردّ والإسعاف، فإذا لم أقم له هذا المقام أكون كما قال أمير المؤمنين آنفا:

خليليّ ماذا أرتجي من غنى امرىء ... طوى الكشح عني اليوم وهو مكين

فقال الواثق: بالله يا محمد بن عبد الملك إلّا عجّلت لأبي عبد الله حاجته، ليسلم من هجنة المطل، كما سلم من هجنة الردّ.

وكان ابن أبي داود من أحسن الناس تأتّيا، وكان يقول: ربما أردت أن أسأل أمير المؤمنين الحاجة بحضرة ابن الزيات فأوخّر ذلك إلى وقت مغيبه لئلا يتعلّم حسن التلطّف مني! وكان بينه وبين محمد بن عبد الملك عداوة عظيمة، وأمر الواثق أصحابه أن ينهضوا قياما لأبي جعفر إذا دخل، ولم يرخّص في ذلك لأحد، فاشتدّ الأمر على ابن أبي دواد،

(1) نواب: جمع ناب وهو اسم فاعل من نبا السيف والرمح: أي حاد عن ضريبته. لسان العرب (نوب) .

(2) الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، وهو أقصر الأضلاع وآخرها وطوى الكشح عنه: أي أعرض عنه. محيط المحيط (كشح) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت