فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 993

تضع مني خسيسة أنت رفعتها، أو تنقض مني مريرة [1] أنت أبرمتها، أو تشمت بي عدوّا أنت كبتّه، وحاسدا بك وقمته [2] وأسألك بالله إلّا أربى حلمك على خطئي وصفحك على جهلي.

فقال معاوية رضي الله عنه: إذا الله ثنّى عقد شيء تيسّرا.

أشار إلى هذا أبو الطيب المتنبي إذ قال [3] : [الطويل]

أزل حسد الحسّاد عني بكبتهم ... فأنت الذي صيّرتهم لي حسّدا

إذا شدّ زندي حسن رأيك في يدي ... ضربت بسيف يقطع الهام مغمدا [4]

وعتب المأمون على بعض خاصّته، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قديم الحرمة وحديث التوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة. قال: صدقت، وعفا عنه.

وكان في ملوك فارس ملك عظيم المملكة، شديد النقمة، فقرّب له صاحب المطبخ طعامه، فنقطت نقطة من الطعام على المائدة، فزوى له الملك وجهه، وعلم صاحب المطبخ أنّه قاتله، فعمد إلى الصّحفة [5] فكفأها على المائدة ثم ولّى، فقال له الملك: ما حملك على ما فعلت، وقد علمت أن سقوط النّقطة أخطأت بها يدك ولم يجر بها تعمّدك، فما عندك في الثانية؟ قال: استحيت للملك أن يوجب قتلي، ويبيح دم مثلي، في سنّي وحرمتي، وقديم اختصاصي وخدمتي، في نقطة أخطأت بها يدي، فأردت أن يعظم ذنبي ليحسن بالملك قتلي.

قال: لئن كان اعتذارك ينجيك من القتل، فليس ينجيك من التأديب اجلدوه مائة جلدة، واخلعوا عليه خلع الرّضا.

وخرج بهرام جور متصيّدا فعنّ له حمار وحش، فأتبعه حتى صرعه، وقد انقطع عن أصحابه، فنزل عن فرسه يريد ذبحه، وبصر براع فقال: أمسك عليّ فرسي، وتشاغل بذبح الحمار، وحانت منه التفاتة، فنظر إلى الراعي يقطع جوهر عذار فرسه، فحوّل بهرام جور

(1) المريرة: الحبل الشديد الفتل. القاموس المحيط (مرر) .

(2) وقمته: قهرته. القاموس المحيط (وقم) .

(3) ديوان المتنبي (ص 388) .

(4) في الديوان: «فيهم» بدل «في يدي» .

(5) الصّحفة: أعظم القصاع. القاموس المحيط (صحف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت