قال أبو علي العتابي: حدّثني الحمدوني [1] قال: بعث إليّ أحمد بن حرب المهلبي في غداة، السماء فيها مغيمة، فأتيته والمائدة موضوعة مغطّاة وقد وافت عجاب المغنّية، فأكلنا جميعا، وجلسنا على شرابنا، فما راعنا إلّا داقّ يدقّ الباب، فأتاه الغلام فقال:
بالباب فلان فقال لي: هو فتى من آل المهلب، ظريف، نظيف، فقلت: ما نريد غير ما نحن فيه، فأذن له، فجاء يتبختر وقدّامي قدح شراب فكسره، فإذا رجل آدم [2] ضخم، قال: وتكلّم فإذا هو أعيا الناس، فجلس بيني وبين عجاب، قال: فدعوت بدواة وكتبت إلى أحمد بن حرب: [الخفيف]
كدّر الله عيش من كدّر العي ... ش! فقد كان صافيا مستطابا
جاءنا والسماء تهطل بالغي ... ث وقد طابق السماع الشرابا
كسر الكاس وهي كالكوكب الدر ... ريّ ضمّت من المدام رضابا
قلت لما رميت منه بما أك ... ره والدهر ما أفاد أصابا
عجّل الله نقمة لابن حرب ... تدع الدار بعد شهر خرابا
ودفعت الرقعة إلى أحمد، فقال: [ويحك] ألا نفّست فقلت بعد حول؟ فقلت:
أردت أقول بعد يوم، فخفت أن تصيبني مضرّة ذلك، وفطن الثقيل فنهض، فقال: آذيته! فقلت: هو آذاني.
وقال الحمدوني في طيلسان ابن حرب: [الطويل]
ولي طيلسان إن تأمّلت شخصه ... تيقّنت أنّ الدهر يفنى وينقرض
تصدّع حتى قد أمنت انصداعه ... وأظهرت الأيام من عمره الغرض
كأني لإشفاقي عليه ممرّض ... أخا سقم ممّا تمادى به المرض
فلو أنّ أصحاب الكلام يرونه ... لماروك فيه وادّعوا أنه عرض [3]
[وقال فيه: [البسيط]
لطيلسان ابن حرب نعمة سبقت ... بها تبيّن فضلي فهو متّصل
(1) الحمدوني: هو أبو علي إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه شاعر مليح الشعر، حسن التضمين.
توفي نحو 60هـ. ترجمته في فوات الوفيات (ج 1ص 173) ، ووفيات الأعيان (ج 7ص 95) ، والأعلام (ج 1ص 307) .
(2) الآدم: الذي به أدمة وهي السمرة. محيط المحيط (أدم) .
(3) أصحاب الكلام: هم علماء الكلام. ماروه: جادلوه. محيط المحيط (مرى) .