لما جعل الإسكندر في تابوت من ذهب تقدّم إليه أحدهم فقال: كان الملك يخبأ الذهب، وقد صار الآن الذهب يخبؤه، وتقدم إليه آخر، والناس يبكون ويجزعون، فقال:
حرّكنا بسكونه، أخذه أبو العتاهية فقال [1] : [الخفيف]
يا عليّ بن ثابت بان منّي ... صاحب جلّ فقده يوم بنتا
قد لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحرّكتني لها وسكنتا
وتقدّم إليه آخر فقال: كان الملك يعظنا في حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس. أخذه أبو العتاهية فقال [2] : [الوافر]
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
وتقدّم إليه آخر فقال: قد طاف الأرضين وتملّكها، ثم جعل منها في أربعة أذرع.
ووقف عليه آخر فقال: ما لك لا تقلّ عضوا من أعضائك، وقد كنت تستقلّ ملك العباد؟
ووقف عليه آخر فقال: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى.
وقال آخر: ما لك لا ترغب بنفسك عن ضيق المكان، وقد كنت ترغب بها عن رحب البلاد! وقال آخر: [كان الملك غالبا فصار مغلوبا، وآكلا فصار مأكولا. وقال آخر] :
أمات هذا الميت كثيرا من الناس لئلّا يموت، وقد مات الآن. وقال آخر: ما كان أقبح إفراطك في التجبّر أمس، مع شدّة خضوعك اليوم. وقالت بنت دارا: ما علمت أنّ غالب أبي يغلب. وقال رئيس الطباخين: قد نضدت النضائد [3] ، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد المجلس!.
أشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أنّ أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا.
لا يدرك الغني بالسلطان إلّا نفس خائفة، وجسم تعب، ودين متثلم. إن كان البحر كثير الماء فإنه بعيد المهوى، ومن شارك السلطان في عزّ الدنيا شاركه في ذلّ الآخرة. فساد الرعية بلا ملك كفساد الجسم بلا روح. إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا. من صحب السلطان صبر على قسوته كصبر الغوّاص على ملوحة بحره. الملك بالدين يبقى، والدين بالملك يقوى. من نصح لخدمة نصحته المجازاة. لا تلتبس بالسلطان في وقت اضطراب
(1) لم يرد البيتان في ديوان أبي العتاهية.
(2) لم يرد البيت في ديوان أبي العتاهية.
(3) النضائد: جمع نضيدة وهي الوسادة. لسان العرب (نضد) .