فهرس الكتاب

الصفحة 599 من 993

وهذا شبيه بقول سعيد بن المسيب، وقد قيل له: ما بال قريش أضعف العرب شعرا، وهي أشرف العرب بيتا؟ قال: لأنّ كون رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، منها قطع متن الشعر عنها.

وقال إبراهيم بن الحسن بن سهل: كنّا في مجلس المأمون وعمرو بن مسعدة يقرأ عليه الرقاع، فجاءته عطسة، فلوى عنقه فردّها، فرآه المأمون فقال: يا عمرو، لا تفعل فإن ردّ العطسة وتحويل الوجه بها يورثان انقطاعا في العنق. فقال بعض ولد المهدي:

ما أحسنها من مولى لعبده، وإمام لرعيته! فقال المأمون: وما في ذلك؟ هذا هشام اضطربت عمامته فأهوى الأبرش الكلبي إلى إصلاحها، فقال هشام: إنّا لا نتّخذ الإخوان خولا [1] ! فالذي قال هشام أحسن مما قلته. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، إنّ هشاما يتكلّف ما طبعت عليه، [ويظلم] فيما تعدل فيه، ليس له قرابتك من رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ولا قيامك بحقّ الله، وإنك والملوك لكما قال النابغة الذبياني [2] : [الطويل]

ألم تر أنّ الله أعطاك سورة [3] ... ترى كل ملك دونها يتذبذب

لأنك شمس والملوك كواكب [4] ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب

أخذ النابغة هذا من قول شاعر قديم من كندة: [الطويل]

تكاد تميد الأرض بالناس إن رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب

هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلت ... على كل ضوء والملوك كواكب

قال يزيد بن معاوية لجميل بن أوس، وكان أكرمه واجتباه: لم كرهت الإفراط في تقديمي، وتطامنت عن الدرجة التي سما بك إليها مكانك مني؟ فقال: [أيّد الله سلطانك، وأعلى مكانك] ، إن الذين كانوا قبلنا من أهل العلوم والآداب، والعقول والألباب، كانوا أطول أعمارا منّا، وأكثر للزمان صحبة، وأكثر للأيام تجربة، وقد قال الحكيم: بقدر الثواب عند الرّضا يكون العقاب عند السخط، وبقدر السموّ في الرفعة تكون وجبة الرفعة، ولا خير فيمن لا يسمع الموعظة، ولا يقبل النصيحة، وأنا يا أمير المؤمنين، وإن كنت آمنا من التعرض لسخطك والدنوّ ممّا يقرب منه، فلست بآمن من طعن المساوي في الدرجة عندك، وحقر المشارك لي في المنزلة منك، وليس من تقديمك قليل، ولا من تعظيمك يسير، فإن أقلّ ذلك فيه النباهة، والفخر، [والثناء] والذكر، وحسبي مما بذلته من أموالك استحقاقي عندك لإكرامك، وحسبي من تقديمك خالص رضاك، وصفاء ضميرك.

(1) الخول، بالفتح: العبيد والإماء. القاموس المحيط (خول) .

(2) ديوان النابغة الذبياني (ص 47) .

(3) السّورة: المنزلة العالية. لسان العرب (سور) .

(4) في الديوان: «فإنك» بدل «لأنك» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت