فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 993

فلان مشرفي المشرق، وصيرفيّ المنطق. البيان أصغر صفاته، والبلاغة عفو خطراته. كأنما أوحى بالتوفيق إلى صدره، وحسن الصواب بين طبعه وفكره.

فلان يحزّ مفاصل الكلام، ويسبق فيها إلى درك المرام، كأنما جمع الكلام حوله حتى انتقى منه وانتخب، وتناول منه ما طلب، وترك بعد ذلك أذنابا لا رؤوسا، وأجسادا لا نفوسا.

فلان يرضى بعفو الطّبع، ويقنع بما خفّ على السمع، ويوجز فلا يخلّ، ويطنب فلا يملّ، لله فلان أخذ بأزمّة القول يقودها كيف أراد، ويجذبها أنّى شاء، فلا تعصيه بين الصّعب والذّلول، ولا تسلمه عند الحزونة والسّهول، كلامه يشتدّ مرّة حتى تقول الصّخر الأملس، ويلين تارة حتى تقول الماء أو أسلس، يقول فيصول، ويجيب فيصيب، ويكتب فيطبّق المفصل، أو ينسّق الدرّ المفصّل، ويرد مشارع الكلام وهي صافية لم تطرق، وجامّة لم ترنّق [1] ، خاطره البرق أو أسرع لمعا، والسّيف أو أحدّ قطعا، والماء أو أسلس جريا، والفلك أو أقوم هديا هو ممن يسهل الكلام على لفظه، وتتزاحم المعاني على طبعه، فيتناول المرمى البعيد بقريب سعيه، ويستنبط المشرع العميق بيسير جريه، لسانه يفلق الصّخور، ويغيض البحور، ويسمع الصّم، ويستنزل العصم [2] ، خطيب لا تناله حبسة، ولا ترتهنه لكنة، ولا تتمشّى في خطابه رنة، ولا تتحيّف بيانه عجمة، ولا تعترض لسانه عقدة.

فلان رقيق الأسلة، عذب العذبة [3] لو وضع لسانه على الشّعر حلقه، أو على الصّخر فلقه، أو على [الجمر أحرقه، أو على] الصّفا [4] خرقه قد أحسن السّفارة، واستوفى العبارة، وأدّى الألفاظ، واستغرق الأغراض، وأصاب شواكل المراد [5] ، وطبّق مفاصل السّداد، وبسط لسان الخطاب، ومدّ أطناب الإطناب [6] ، وطلب الأمد في الإسهاب، قال

(1) الجامّة: الساكنة يقال: جمّ الماء يجمّ إذا كثر واجتمع، ترنّق: تعكّر يقال: رنّق الماء إذا كدّره.

محيط المحيط (جمم) و (رنق) .

(2) العصم: جمع أعصم وهو الوعل الذي في ذراعيه أو في أحدهما بياض، وسائره أحمر أو أسود.

محيط المحيط (عصم) .

(3) الأسلة من اللسان: طرفه. العذبة: طرف كل شيء، والمراد: طرف اللسان. محيط المحيط (أسل) و (عذب) .

(4) الصّفا: جمع صفاة وهي الصخرة. محيط المحيط (صفا) .

(5) الشواكل: جمع الشاكلة وهي البياض ما بين الأذن والصدغ. محيط المحيط (شكل) .

(6) الأطناب: جمع طنب وهو حبل طويل يشدّ به سرادق البيت. والإطناب عند أهل البيان: هو عبارة عن أداء المقصود بأكثر من المتعارف. محيط المحيط (طنب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت