عن قبوله الطباع، ولا ترفع له حجبها الأسماع، وتوسّع فيها إذ صرّف ألفاظها ومعانيها، في وجوه مختلفة، وضروب متصرّفة، عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية، تذوب ظرفا، وتقطر حسنا، لا مناسبة بين المقامتين لفظا ولا معنى، وعطف مساجلتها، ووقف مناقلتها، بين رجلين سمّى أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبا الفتح الإسكندري، وجعلهما يتهاديان الدّر، ويتنافثان السّحر، في معان تضحك الحزين، وتحرّك الرّصين، يتطلّع منها كلّ طريفة، ويوقف منها على كلّ لطيفة، وربّما أفرد أحدهما بالحكاية، وخصّ أحدهما بالرواية وسأذكر منها ما لا يخلّ طوله بالشرط المعقود، ولا ينافي حصوله الغرض المقصود [1] .
كتب إلى أبي نصر أحمد بن علي الميكالي:
كتابي أعزّ الله الأمير! وبودّي أن أكونه، فأسعد به دونه، ولكنّ الحريص محروم، لو بلغ الرزق فاه، لولّاه قفاه. فرّق الله بين الأيام، تفريقها بين الكرام، وألهمها أن تورد بعقل، وتصدر بتمييز، وما ذلك على الله بعزيز، وأنا في مفاتحة الأمير، بين ثقة تعد، ويد ترتعد، ولم لا يكون ذلك؟ والبحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، ومن رأى من السيف أثره، فقد عاين أكثره، والليث وإن لم ألقه، فلم أجهل خلقه، وما وراء ذلك من تالد أصل وحسب، وطارف فضل وأدب، وبعد همّة وصيت، فمعلوم تشهد به الدفاتر، والخبر المتواتر، وتنطق به الأشعار، كما تصدق به الآثار، والعين أقلّ الحواس إدراكا، والأذن أكثرها استمساكا، وإن بعدت الدار فلا ضير إنّ أيسر البعدين بعد الدارين، وخير القربين قرب القلبين.
وكتب إليه في سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة:
الأمير الفاضل، والشيخ الرئيس، رفيع مناط الهمّة، بعيد منال الحرمة، وفسيح مجال الفضل، رحيب منخرق الجود، رطيب مكسر العود: [المجتث]
فلو نظمت الثريّا ... والشّعريين قريضا [2]
وكاهل الأرض ضربا ... وشعب رضوى عروضا [3]
وصغت للدّرّ ضدّا ... وللهواء نقيضا
(1) يفهم من سياق الحديث أن بديع الزمان الهمذاني أخذ فن المقامات عن ابن دريد. وحديث بديع الزمان وارد في الذخيرة لابن بسام (ق 4ص 586585) ببعض الاختلاف عمّا هنا.
(2) الشّعريان: هما الشّعرى العبور، والشّعرى الغميصاء، وهما أختا سهيل. القاموس المحيط (شعر) .
(3) رضوى: جبل بالمدينة. القاموس المحيط (رضي) .