بل لو جلوت عليه ... سود النوائب بيضا
أو ادّعيت الثريّا ... لأخمصيه حضيضا
والبحر عند لهاه ... يوم العطاء مغيضا
لما كنت إلّا في ذمّة القصور، وجانب التقصير، فكيف وأنا قاعد الحالة فيّ المدح، قاصر الآلة عن الشّرح؟ ولكني أقول: الثناء منجح أنّى سلك، والسخيّ جوده بما ملك، وإن لم تكن غرّة لائحة فلمحة دالّة، وإن لم يكن صدّاء فماء [1] ، وإن لم يكن خمر فخلّ، وإن لم يصبها وابل فطلّ، وبذل الموجود غاية الجود، وبعض الجهد آخر المجهود، وماش خير من لاش [2] ، ووجود ما قلّ خير من عدم ما جلّ. وقليل في الجيب خير من كثير في الغيب، وجهد المقلّ خير من عذر المخل، وحمار أيس خير من فرس ليس [3] ، وكوخ في العيان خير من قصر في الوهم. وذيت [4] خير من ليت، وما كان أجود من لو كان، وقد قيل: عصفور في الكفّ أجود من كركيّ [5] في الجوّ، ولأن تقطف [6] خير من أن تقف، ومن لم يجد الجميم رعى الهشيم [7] ، ومن لم يحسن صهيلا نهق، ومن لم يجد ماء تيمّم والأمير الرئيس أدام الله نعماه! لا ينظر في قوافي صنيعته إلى ركاكة ألفاظها، وبعد أغراضها، ولكن إلى كثرة جذرها [8] ، وثقل مهرها، وقلّة كفئها، وإنني منذ فارقت قصبة جرجان، ووطئت عتبة خراسان، ما زففتها إلّا إليه، ولا وقفتها إلّا عليه، هذا على تمرغي في أعطاف المحن، وضرورتي إلى أبناء الزمن، وإن كان الأمير الرئيس يرفع لكل لفظ حجاب سمعه، ويفسح لكلّ شعر فناء طبعه، فهاك من النثر ما ترى، ومن النظم ما يترى: [مجزوء الرمل]
أدهق الكاس فعرف ال ... فجر قد كاد يلوح
فهو للناس صباح ... ولذي الرأي صبوح
(1) أخذه من المثل: «ماء ولا كصدّاء» . وصدّاء: ركيّة لم يكن عندهم ماء أعذب من مائها، والركيّة هي البئر ذات الماء. مجمع الأمثال (ج 2ص 277) ولسان العرب (صدد) .
(2) ماش: ما شيء. لاش: لا شيء. وهي لغة عامية يقول: شيء خير من لا شيء.
(3) الأيس: القهر. القاموس المحيط (أيس) . يقول: إنّ حمار الضرورة خير من فرس معدوم.
(4) في الأصل: «وزيت» بالزاي. وذيت، بفتح الذال وسكون الياء وفتح التاء أو ضمّها أو كسرها: كيت وكيت. القاموس المحيط (ذيت) .
(5) الكركيّ: طائر، جمعه كراكيّ. القاموس المحيط (كرك) .
(6) القطف للدواب يقال: قطفت الدابة إذا ضاق مشيها. القاموس المحيط (قطف) .
(7) الجميم: النبت الكثير. الهشيم: نبت يابس متكسّر. القاموس المحيط (جمم) و (هشم) .
(8) الجذر هنا: هو ما تكافا به المغنّية.