فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 993

وقال أعرابي: [الرجز]

قد ترك الدّهر صفاتي صفصفا ... فصار رأسي جبهة إلى القفا [1]

* كأنه قد كان ربعا فعفا * قال أعرابيّ لسليمان بن عبد الملك: إني أكلّمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله، فإنّ وراءه إن قبلته ما تحبّه، قال: هاته يا أعرابي، فنحن نجود بسعة الاحتمال على من لا نأمن غيبته، ولا نرجو نصيحته، وأنت المأمون غيبا، الناصح جيبا [2] . قال: فإني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن، تأدية لحقّ الله تعالى إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربّهم، وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا، والأمة كسفا وخسفا، وأنت مسؤول عمّا اجترموا، وليسوا مسؤولين عمّا اجترمت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإنّ أعظم الناس عند الله غبنا من باع آخرته بدنيا غيره.

فقال سليمان: أما أنت يا أعرابي، فقد سللت لسانك وهو سيفك، قال: أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك.

وروى العتبي عن أبيه عن مولى لعمرو بن حريث قال: شخصت إلى سليمان بن عبد الملك، فقيل لي: إنك ترد على أفصح العرب، وسيسألك عن المطر، فانظر ما تجيبه، فقلت: ما عندي من الجواب إلّا ما عند العامّة، فقيل لي: ما ذلك بمقنع عنده، فلقيني أعرابي فقلت: هل لك في درهمين؟ فقال: إنّي والله محتاج إليهما، حريص عليهما، فما شأنك؟ فقلت: لو سألك سائل عن هذا المطر بم كنت تجيبه؟ قال: أو يعيا بهذا أحد؟ قلت: نعم، سائلك! قال: أتعيا أن تقول: أصابتنا سماء، عمد لها الثّرى، واتّصل بها العرى، وقامت منها الغدر، وأتتك في مثل وجار [3] الضّبع؟ فكتبت الكلام، وأعطيته درهمين: فكان هجّيراي على الرّاحلة [4] فإذا نزلت أقبلت عليه وأمثل نفسي كأني واقف بين يديه، وقد سلّمت عليه بالخلافة وهو يسألني عن المطر!

(1) الصّفاة: الحجر الصّلد الضخم. الصّفصف: المستوي من الأرض. القاموس المحيط (صفا) و (صفصف) . وهنا يشير إلى سوء حاله.

(2) رجل ناصح الجيب: لا غشّ فيه. القاموس المحيط (نصح) .

(3) وجار الضّبع: جحره. القاموس المحيط (وجر) .

(4) الهجّيرى: الدأب والشأن. الراحلة: الإبل الصالحة لأن ترحل وقوله: كان هجّيراي على الراحلة:

أي لم يزل يكرره وهو سائر. القاموس المحيط (هجر) و (رحل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت