وآراءها، وأعطى زمام طاعتها، وقياد مملكتها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض عن القلوب مسلكه.
وسئلت أعرابية عن الهوى فقالت: لا متّع الهوى بملكه، ولا ملّي بسلطانه، وقبض الله يده، وأوهن عضده فإنه جائر لا ينصف في حكم، أعمى ما ينطق بعدل، ولا يقصر في ظلم، ولا يرعوي للوم، ولا ينقاد لحقّ، ولا يبقى على عقل ولا فهم، لو ملك الهوى وأطيع لردّ الأمور على أدبارها، والدنيا على أعقابها.
ووصف أعرابي الهوى فقال: هو داء تدوى [1] به النفوس الصّحاح، وتسيل منه الأرواح، وهو سقم مكتتم، وجمر مضطرم فالقلوب له منضجة، والعيون ساكنة.
قال [أبو] عبيد الله بن محمد بن عمران المرزباني: أخبرني المظفر بن يحيى، قال:
أحبّ رجل امرأة دونه في القدر، فعذله عمّه، فقال: يا عمّ، لا تلم مجبرا على سقمه فإن المقر على نفسه مستغن عن منازعة خصمه، وإنما يلام من اقترف ما يقدر على تركه، وليس أمر الهوى إلى الرأي فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره بل قدرته أغلب، وجانبه أعزّ من أن تنفذ فيه حيلة حازم، أو لطف محتال.
وقال بعضهم: رأيت امرأتين من أهل المدينة تعاتب إحداهما الأخرى على هوى لها، فقالت: إنه يقال في الحكمة الغابرة، والأمثال السائرة: لا تلومنّ من أساء بك الظنّ إذا جعلت نفسك هدفا للتهمة، ومن لم يكن عونا على نفسه مع خصمه لم يكن معه شيء من عقدة الرأي، ومن أقدم على هوى وهو يعلم ما فيه من سوء المغبّة سلط على نفسه لسان العذل، وضيع الحزم. فقالت المعذولة: ليس أمر الهوى إلى الرأي فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره، وهو أغلب قدرة، وأمنع جانبا من أن تنفذ فيه حيلة الحازم، أو ما سمعت قول الشاعر [2] : [الخفيف]
ليس خطب الهوى بخطب يسير ... لا ينبّيك عنه مثل خبير [3]
ليس أمر الهوى يدبّر بالرّأ ... ي ولا بالقياس والتفكير
إنما الأمر في الهوى خطرات ... محدثات الأمور بعد الأمور؟
قال المرزباني: أخبرني الصولي أنّ هذه الأبيات لعلية بنت المهدي، ولها فيها لحن.
(1) تدوى به النفوس: تمرض. محيط المحيط (دوي) .
(2) البيتان الأول والثاني لعليّة بنت المهدي، وهما في الأغاني (ج 10ص 225) .
(3) في الأغاني: «ليس ينبيك» بدل «لا ينبّيك» .