فقلت لها: هذا التعنّت كلّه ... كمن يشتهي لحم عنقاء مغرب [1]
سلي كلّ أمر يستقيم طلابه ... ولا تذهبي يا درّ في كلّ مذهب [2]
فأقسم لو أصبحت في عزّ مالك ... وقدرته ما رام ذلك مطلبي
فتى شقيت أمواله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح ثعلب
واعتذر رجل إلى رجل بحضرة عبد الأعلى بن عبد الله فلم يقبل عذره، فقال عبد الأعلى: أما والله لئن كان احتمل إثم الكذب ودناءته، وخضوع الاعتذار وذلّته، فعاقبته على الذّنب الذاهب، ولم تشكر له إنابة التائب، إنك لممن يسيء ولا يحسن.
وقال الحطيئة: [الطويل]
يسوسون أحلاما بعيدا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدّ
أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدّوا المكان الذي سدّوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن وعدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا
وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا
وإن قال مولاهم على جلّ حادث ... من الدهر ردّوا فضل أحلامكم ردّوا
ويعذلني أبناء سعد عليهم ... وما قلت إلّا بالذي علمت سعد
ووصّل سعيد بن سلم إلى الرشيد شاعرا باهليّا، فأنشده قصيدة حسنة، فاسترابه [3]
الرشيد، قال: أسمعك مستحسنا، وأنكرك متّهما فإن كنت صاحب هذا الشعر فقل في هذين، وأشار إلى الأمين والمأمون وكانا جالسين.
فقال: يا أمير المؤمنين، حملتني على غير الجدد [4] هيبة الخلافة، ووحشة الغربة، وروعة المفاجأة، وجلالة المقام، وصعوبة البديهة، وشرود القوافي، على غير الرويّة، فليمهلني أمير المؤمنين حتى يتألّف نافر القول.
فقال الرشيد: لا عليك ألّا تقول قد جعلت اعتذارك عوض امتحانك. فقال: يا
الوفيات (ج 1ص 219) ، والأغاني (ج 19ص 113) ، وتاريخ بغداد (ج 7ص 90) .
(1) العنقاء المغرب: طائر معروف الاسم مجهول الجسم أو طائر عظيم يبعد في طيرانه. محيط المحيط (عنق) .
(2) الطّلاب: المطالبة. محيط المحيط (طلب) .
(3) يقال: استراب به: أي رأى منه ما يريبه. محيط المحيط (ريب) .
(4) الجدد، بالفتح: الأرض الغليظة المستوية. محيط المحيط (جدد) .