تأتي الأمة فتغرف بجرّتها وإنائها أوشك أن نهلك، قال: ثم ماذا؟ قال: تزيد في صاعنا ومدّنا، وتثبت من تلاحق في العطاء من ذرّيّتنا. قال: ثم ماذا؟ قال: تخفّف عن ضعيفنا، وتنصف قوينا، وتتعاهد ثغورنا، وتجهّز بعثنا، قال: ثم ماذا؟ قال: إلى ها هنا انتهت المطالب، ووقف الكلام. قال: أنت رئيس وفدك، وخطيب مصرك، قم عن موضعك الذي أنت فيه. فأدناه حتى أقعده إلى جانبه، ثم سأله عن نسبه، فانتسب له، فقال: أنت سيد تميم، فبقيت له السيادة إلى أن مات.
وهو الأحنف، واسمه الضحّاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن حصن بن عبادة بن النزال بن مرّة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن [سعد بن] زيد مناة بن تميم.
وقال بعض بني تميم: حضرت مجلس الأحنف وعنده قوم مجتمعون له في أمر لهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الكرم منع الحرم، ما أقرب النقمة من أهل البغي، لا خير في لذّة تعقب ندما، لم يهلك من اقتصد، ولم يفتقر من زهد، رب هزل قد عاد جدا، من أمن الزمان خانه، ومن تعظّم عليه أهانه، دعوا المزاح فإنه يؤرّث [1]
الضغائن، وخير القول ما صدّقه الفعل، احتملوا لمن أدلّ عليكم، واقبلوا عذر من اعتذر إليكم، أطع أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك، أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك، إيّاكم ومشاورة النساء، واعلم أنّ كفر النّعم لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، ومن الكرم الوفاء بالذّمم، ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد اللّطف، والعداوة بعد الودّ، لا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل، واعلم أنّ لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، فأنفق في حقّ، ولا تكن خازنا لغيرك، وإذا كان الغدر موجودا في الناس فالثّقة بكل أحد عجز اعرف الحقّ لمن عرفه لك، واعلم أنّ قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. قال: فما سمعت كلاما أبلغ منه. فقمت وقد حفظته.
ودخل الأحنف على معاوية، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابا، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرّة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منّا بعدنا، فكن لهم أرضا ذليلة، وسماء ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم [2] ، ولا تمنعهم رفدك
(1) يورّث الضغائن: يوقدها ويشعلها ويؤجّج نارها. لسان العرب (أرث) .
(2) استعتبوك: طلبوا رضاك. وأعتبهم: أعطاهم الرضا. لسان العرب (عتب) .