فيملّوا قربك، ويستثقلوا حياتك، ويتمنّوا وفاتك. فقال: لله درّك يا أبا بحر، هم كما قلت!.
وزعمت الرواة أنها لم تسمع للأحنف إلّا هذين البيتين: [المتقارب]
فلو مدّ سروي بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا [1]
فإنّ المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا
وكان يبخّل. وقال لبني تميم: أتزعمون أني بخيل! والله إني لأشير بالرّأي قيمته عشرة آلاف درهم! فقالوا: تقويمك لرأيك بخل. وكان الأحنف من الفضلاء الخطباء النّسّاك، وبه يضرب المثل في الحلم.
وقد ذكر للنبي، صلّى الله عليه وسلّم، فاستغفر له فقد بعث النبي، صلّى الله عليه وسلّم، رجلا إلى قومه بني سعد يعرض عليهم الإسلام، فقال الأحنف: إنه يدعوكم إلى خير، ولا أسمع إلّا حسنا. فذكر للنبي، صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «اللهم اغفر للأحنف» . وكان الأحنف يقول: ما شيء أرجى عندي من ذلك.
قال عبد الملك بن عمير: قدم إلينا الأحنف، فما رأينا خصلة تذمّ في رجل إلّا رأيناها فيه، كان أصلع الرّأس، متراكب الأسنان، أشدق، مائل الذّقن، ناتىء الوجنتين، باخق العينين [2] ، خفيف العارضين، أحنف الرّجلين، وكانت العين تقتحمه دمامة وقلّة رواء، ولكنه إذا تكلّم جلّى عن نفسه. وهو الذي خطب بالبصرة حين اختلفت الأحياء، وتنازعت القبائل فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأزد [وربيعة] ، أنتم إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الصهر، وأكفاؤنا في النسب، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدوّ، والله لأزد البصرة أحبّ إلينا من تميم الكوفة، [ولأزد الكوفة أحبّ إلينا من تميم الشام] ، وفي أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم.
وقد قام خطباء البصرة في هذا اليوم وتكلّموا وأسهبوا، فلمّا قام الأحنف أصغت القبائل إليه، وانثالت عليه، وقال الناس: هذا أبو بحر، هذا خطيب بني تميم، وحضر ذلك الجمع جارية لآل المهلب، فذهبت تروم النظر إليه، فاعتاص ذلك عليها، فأشرفت عليه من دارها، فلمّا رأته والأبصار خاشعة لكلامه، ورأت دمامة خلقه، وكثرة آفات جوارحه، قالت: فقدت هذه الخلقة ولو افترّت عن فصل الخطاب.
(1) السّرو: الفضل والسخاء في المروّة. محيط المحيط (سرو) .
(2) البخق، بالفتح: أقبح العور، أو أن لا يلتقي شفر عينه على حدقته. القاموس المحيط (بخق) .