فهرس الكتاب

الصفحة 576 من 993

وذكر المدائني أنّ الأحنف بن قيس وفد على معاوية، رضي الله عنه، مع أهل العراق، فخرج الآذن، فقال: إنّ أمير المؤمنين يعزم عليكم ألّا يتكلم أحد إلّا لنفسه. فلمّا وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أن دافّة دفّت، ونازلة نزلت، ونابتة نبتت، كلّهم بهم حاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبرّه، قال: حسبك يا أبا بحر، فقد كفيت الشاهد والغائب.

ولما عزم معاوية على البيعة ليزيد كتب إلى زياد أن يوجّه إليه بوفد أهل العراق، فبعث إليه بوفد البصرة والكوفة، فتكلّمت الخطباء في يزيد، والأحنف ساكت، فلمّا فرغوا قال: قل يا أبا بحر، فإنّ العيون إليك أشرع منها إلى غيرها، فقام الأحنف فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيّه، صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنك أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره، وإعلانه وإسراره، فإن كنت تعلمه لله رضا فلا تشاور فيه أحدا، ولا تقم له الخطباء والشعراء، وإن كنت تعلم بعده من الله فلا تزوّده من الدنيا وترحل أنت إلى الآخرة فإنك تصير إلى يوم يفرّ [فيه] المرء من أخيه، وأمّه وأبيه، وصاحبته وبنيه. قال: فكأنه أفرغ على معاوية ذنوب ماء بارد. فقال له: اقعد يا أبا بحر فإن خيرة الله تجري، وقضاء الله يمضي، وأحكام الله تنفذ، لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه وإن يزيد فتى قد بلوناه [1] ، ولم نجد في قريش فتى هو أجدر بأن يجتمع عليه منه. فقال: يا أمير المؤمنين، أنت تحكي عن شاهد، ونحن نتكلّم على غائب، وإذا أراد الله شيئا كان.

قال ابن الرومي: [الكامل]

إن امرأ رفض المكاسب واغتدى ... يتعلّم الآداب حتى أحكما

فكسا وحلّى كلّ أروع ماجد ... من حرّ ما حاك القريض ونظّما

ثقة برعي الأكرمين حقوقه ... لأحقّ ملتمس بألّا يحرما

قال أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمّار: ومن نادر شعر أبي الحسن في هذا المعنى قوله، ووصف إتعاب الشعراء أنفسهم بدؤوبهم في صناعتهم، وما يتصرّم من أعمارهم، وأن إلحاحهم في طلب ما في أيدي من أسلفوه مديحهم لو كان رغبة منهم إلى ربّهم كان أجدى عليهم، وأقرب من درك بغيتهم، ونجح طلبتهم، ثم انحرف إلى توبيخ من مدحه فحرمه بأحسن عبارة، وأرضى استعارة، فقال: [الكامل]

للناس فيما يكلفون مغارم ... عند الكرام لها قضاء ذمام

(1) بلوناه: اختبرناه. لسان العرب (بلا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت