ومغارم الشعراء في أشعارهم ... إنفاق أعمار وهجر منام
وجفاء لذات ورفض مكاسب ... لو حولفت حرست من الإعدام
وتشاغل عن ذكر ربّ لم يزل ... حسن الصنائع سابغ الإنعام
من لو بخدمته تشاغل معشر ... خدموكم أجدى على الخدّام
أفما لذلك حرمة مرعيّة ... إنّ الكرام إذا لغير كرام
لم أحتسب فيك الثواب بمدحتي ... إياك يا ابن أكارم الأقوام
لو كان شعري حسبة لم أكسه ... أحدا أحقّ به من الأيتام
لا تقبلنّ المدح ثم تعافه ... فتنام والشعراء غير نيام
واحذر معرّتهم إذا دنّستهم ... فلهم أشدّ معرّة العرّام
واعلم بأنّهم إذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكّام
وجناية العادي عليهم تنقضي ... وعقابهم يبقى مع الأيام
أبو الطيب المتنبي [1] : [الكامل]
ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى
مات الأحنف بن قيس بالكوفة، فمشى مصعب بن الزبير في جنازته بغير رداء، وقال: اليوم مات سرّ العرب فلمّا دفن قامت امرأة على قبره فقالت: لله درّك من مجنّ في جنن [2] ، ومدرج في كفن، نسأل الذي فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك، أن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الرّشد دليلك، وأن يوسّع لك في قبرك، ويغفر لك يوم حشرك فوالله لقد كنت في المحافل شريفا، وعلى الأرامل عطوفا، ولقد كنت في الحيّ مسوّدا، وإلى الخليفة موفدا، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متّبعين ثم أقبلت على الناس فقالت: ألا إنّ أولياء الله في بلاده، شهود على عباده، وإني لقائلة حقّا، ومثنية صدقا، وهو أهل لحسن الثناء، وطيب النّثا [3] ، أما والذي كنت من أجله في عدّة، ومن الحياة إلى مدّة، ومن المقدار إلى غاية، ومن الإياب إلى نهاية، الذي رفع عملك، لما قضى أجلك، لقد عشت حميدا مودودا، ومتّ سعيدا مفقودا، ثم انصرفت وهي تقول: [الكامل]
لله درّك يا أبا بحر ... ماذا تغيّب منك في القبر؟
(1) ديوان المتنبي (ص 156) .
(2) المجنّ: المستتر يقال: جنّ الشيء عنه إذا استتر، الجنن، بالفتح: القبر، والجمع أجنان. محيط المحيط (جنن) .
(3) النّثا: ما أخبرت به عن الرجل من حسن أو سيء. محيط المحيط (نثا) .