من كلمة التوحيد، ليصنه من أنجبت جدوده، وسقي بالماء الطّاهر عوده.
قال عيسى بن هشام: فدرت إلى وجهه لأعلم علمه، فإذا شيخنا أبو الفتح الإسكندري، وانتظرت إجفال النعامة بين يديه، ثم تعرّضت فقلت: كم يحلّ دواءك هذا؟
قال: يحلّ الكيس ما مست الحاجة فانصرفت وتركته.
ومن إنشائه في هذا الباب: حدّثنا عيسى بن هشام قال: بينا أنا بمدينة السلام [1] ، قافلا من البيت الحرام، أميس ميس الرّجلة [2] ، على شاطىء الدّجلة، أتأمّل تلك الطرائف، وأتقصّى تلك الزخارف، إذ انتهيت إلى حلقة رجال مزدحمين، يلوي الطّرب أعناقهم، ويشقّ الضحك أشداقهم، فساقني الحرص إلى ما ساقهم، حتّى وقفت بمسمع صوت رجل دون مرأى وجهه، لشدّة الهجمة، وفرط الزّحمة، وإذا هو قرّاد [3] يرقص قرده، ويضحك من عنده، فرقصت رقص المحرج، وسرت سير الأترج، فوق أعناق الناس، يلفظني عاتق هذا لسرّة ذاك، حتى افترشت لحية رجلين، وقعدت بين اثنين، وقد أشرقني الخجل بريقه، وأرهقني المكان لضيقه، فلمّا فرغ القرّاد من شغله، وانتفض المجلس عن أهله، قمت وقد كساني الرّيب حلّته، ووقفت لأرى صورته، فإذا أبو الفتح الإسكندري، فقلت: ما هذه الدناءة؟ ويحك! فقال: [مجزوء الكامل]
الذنب للأيام لا لي ... فاعتب على صرف اللّيالي
بالحمق أدركت المنى ... ورفلت في ثوب الجمال
ومن إنشائه في هذا الباب أيضا: حدّثنا عيسى بن هشام قال: كنت بأصفهان أعتزم المسير إلى الرّيّ، فحللتها حلول الفيّ، أتوقّع النّقلة كل لمحة، وأترقّب الرّحلة كلّ صبحة فلمّا حمّ ما توقّعته، وأزف ما ترقّبته، نودي للصلاة نداء سمعته، وتعيّن فرض الإجابة فانسللت من بين الصحابة، أغتنم الجماعة أدركها، وأخشى فوات القافلة أتركها، لكني استعنت ببركة الصلاة، على وعثاء الفلاة فصرت إلى أول الصفوف، ومثلت للوقوف، وتقدّم الإمام للمحراب، وقرأ فاتحة الكتاب، [وثنّى بالأحزاب] ، بقراءة حمزة، مدّة وهمزة، وأتبع الفاتحة بالواقعة، وأنا أتصلّى بنار الصبر وأتصلّب، وأتقلّى على جمر الغيظ وأتقلّب، وليس إلّا السكوت والصبر، أو الكلام والقبر، لما عرفت من خشونة القوم في ذلك المقام، أن لو قطعت الصلاة دون السلام، فوقفت بقدم الضرورة
(1) مدينة السلام: هي بغداد. معجم البلدان (ج 5ص 79) .
(2) الرّجلة: البقلة الحمقاء، قيل لها ذلك لأنها لا تنبت إلّا في مسيل الماء فيقتلعها الماء ويذهب بها.
محيط المحيط (رجل) .
(3) القرّاد: سائس القرد. محيط المحيط (قرد) .