فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 993

قال: فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائي إليه، وإقبالي عليه، فسأل الترجمان:

ما الذي يقوله الرومّي؟ قال: يذكر ملكهم، ويصف سيرته فتكلّم مع الترجمان بشيء، فقال لي الترجمان: إنه يقول: إنّ ملكهم ذو أناة عند القدرة، وذو حلم عند الغضب، وذو سطوة عند المغالبة، وذو عقوبة عند الاجترام، قد كسا رعيّته جميل نعمته، وخوّفهم عسف نقمته فهم يتراءونه رأي الهلال خيالا، ويخافونه مخافة الموت نكالا، وسعهم عدله، وردعتهم سطوته، فلا تمتهنه مزحة، ولا تؤمّنه غفلة إذا أعطى أوسع، وإذا عاقب أوجع فالناس اثنان: راج وخائف، فلا الراجي خائب الأمل، ولا الخائف بعيد الأجل. قلت:

فكيف هيبتهم له؟ قال: لا ترفع إليه العيون أجفانها، ولا تتبعه الأبصار إنسانها، كأنّ رعيته قطا رفرفت عليها صقور صوائد.

فحدثت المأمون بهذين الحديثين فقال: كم قيمتهما عندك؟ قلت: ألفا درهم. قال:

يا فضل إن قيمتهما عندي أكثر من الخلافة، أما عرفت قول عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه: قيمة كلّ امرىء ما يحسن. أفتعرف أحدا من الخطباء البلغاء يحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين المهديين بهذه الصّفة؟ قلت: لا. قال: فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار، واجعل العذر مادة بيني وبينهما في الجائزة [على المعوز] فلولا حقوق الإسلام وأهله لرأيت إعطاءهما ما في بيت مال الخاصة والعامة دون ما يستحقّانه.

وقال الجاحظ: حدّثني حميد بن عطاء قال: كنت عند الفضل بن سهل، وعنده رسول ملك الخزر، وهو يحدّثنا عن أخت لملكهم، قال: أصابتنا سنة احتدم شواظها [1]

علينا بحرّ المصائب، وصنوف الآفات ففزع الناس إلى الملك، فلم يدر ما يجيبهم به، فقالت أخته: أيها الملك، إن الخوف لله خلق لا يخلق جديده، وسبب لا يمتهن عزيزه، وهو دالّ الملك على استصلاح رعيّته، وزاجره عن استفسادها، وقد فزعت إليك رعيّتك بفضل العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزّا، ولا ينقصه العود بالإحسان إليهم ملكا، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصّي، ولا بركوب الدلالة من الدّال، ولا بحسن الرعاية من الرّاعي. ولم تزل في نعمة لم تغبرها نقمة، وفي رضا لم يكدّره سخط، إلى أن جرى القدر بما عمي عنه البصر، وذهل عنه الحذر، فسلب الموهوب، والواهب هو السالب فعد إليه بكشر النعم، وعذ به من فظيع النّقم، فمتى تنسه ينسك، ولا تجعلنّ الحياء من التذلّل للمعزّ المذلّ سترا بينك وبين رعيتك، فتستحق مذموم العاقبة ولكن مرهم ونفسك بصرف القلوب إلى الإقرار له بكنه القدرة، وبتذلّل الألسن في الدعاء بمحض الشّكر له فإن الملك ربما عاقب عبده ليرجعه عن سيّىء فعل

(1) الشّواظ: لهب لا دخان فيه أو دخان النار وحرّها. محيط المحيط (شوظ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت