عبد الملك: أفذّا أتكلم أم توأما؟ قال: بل فذّا، قال: اتّق الله يا أمير المؤمنين فيما ولّاك، واحفظه في رعاياك الذي استرعاك، ولا تجعل الكفر بموضع الشكر، والعقاب بموضع الثواب، فقد، والله، سهلت لك الوعور، وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وشددت أواخي ملكك بأوثق من ركني يلملم [1] ، وكنت لك كما قال أخو بني جعفر بن كلاب يعني لبيدا: [الرمل]
ومقام ضيّق فرّجته ... بلسان وبيان وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل
فأعاده إلى محبسه [2] ، وقال: لقد نظرت إلى موضع السيف من عاتقه مرارا، فيمنعني عن قتله إبقائي على مثله.
وأراد يحيى بن خالد أن يضع من عبد الملك ليرضي الرشيد، فقال له: يا عبد الملك، بلغني أنك حقود! فقال عبد الملك: أيها الوزير، إن كان الحقد هو بقاء الشّرّ والخير، إنهما لباقيان في قلبي! فقال الرشيد: تالله ما رأيت أحدا احتجّ للحقد بأحسن ممّا احتجّ به عبد الملك.
وقد مدح ابن الرومي الحقد، وأخذ هذا المعنى من قول عبد الملك، وزاد فيه، فقال لعاتب عابه بذلك: [الطويل]
لئن كنت في حفظي لما أنا مودع ... من الخير والشّرّ انتحيت على عرضي
لما عبتني إلّا بفضل إبانة ... وربّ امرىء يزري على خلق محض [3]
ولا عيب أن تجزى القروض بمثلها ... بل العيب أن تدّان دينا ولا تقضي
وخير سحيّات الرجال سجية ... توفيك ما تسدي من القرض بالقرض
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض
ولولا الحقود المستكنات لم يكن ... لينقض وترا آخر الدهر ذو نقض
وما الحقد إلّا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتمين إلى بعض
فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثمّ ترى شكرا على حسن القرض
(1) يلملم: موضع على ليلتين من مكة، ويقال: جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث. معجم البلدان (ج 5ص 441) .
(2) أصل القول: «مجلسه» وهذا ما لا يوافق السياق.
(3) يزري عليه: يعيبه. لسان العرب (زرى) .