وأبو تمام الذي وصف القوافي بما لم يستطع وصفها به أحد فقال [1] : [الطويل]
فإن أنا لم يحمدك عني صاغرا ... عدوّك فاعلم أنني غير حامد
بسيّاحة تنساق من غير سائق ... وتنقاد في الآفاق من غير قائد
محبّبة ما إن تزال ترى لها ... إلى كل أفق واحدا غير وافد [2]
مخلقة لمّا ترد أذن سامع ... فتصدر إلّا عن يمين وشاهد [3]
والذي قال أيضا في صفتها [4] : [الكامل]
جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سمطان فيها اللؤلؤ المكنون
إنسيّة وحشيّة كثرت بها ... حركات أهل الأرض وهي سكون
حذيت حذاء الحضرميّة أرهفت ... وأجادها التّخصير والتلسين [5]
ينبوعها خضل، وحلي قريضها ... حلي الهدى، ونسيجها موضون [6]
أحذاكها صنع الضمير يمدّه ... حسب إذا نضب الكلام معين [7]
أما المعاني فهي أبكار إذا ... نصّت، ولكنّ القوافي عون [8]
وقد أبدع في وصفها فقال [9] : [الكامل]
لم أبق حلية منطق إلّا وقد [10] ... سبقت سوابقها إليك جيادي
أبقين في أعناق جودك جوهرا ... أبقى من الأطواق في الأجياد
(1) ديوان أبي تمام (ص 106) من قصيدة مدح ابن شبابة المتقدم الذكر.
(2) في الديوان: «مخيّمة ما إن تزال وافدا غير وافد» .
(3) في الديوان: «ومحلفة» بدل «مخلقة» .
(4) ديوان أبي تمام (ص 293) من قصيدة مدح الأفشين.
(5) في الديوان: «وأجابها» بدل «وأجادها» . وحذيت: لبست الحذاء في رجلها. والحضرمية: نعل ملسنة. وأرهفت: رقّق حدّها. والتخصير: التدقيق يقال: نعل مخصرة أي مستدقة الوسط.
والتلسين: جعل طرف الشيء كاللسان، ومنه نعل ملسنة، أي فيها طول ولطافة كهيئة اللسان، وامرأة ملسنة القدمين أيضا. لسان العرب (حذا) و (حضرم) و (خصر) و (لسن) .
(6) موضون: أي ثنى بعضه فوق بعض. لسان العرب (وضن) .
(7) في الديوان: «جفر» بدل «حسب» . وأحذاكها: ألبسك إياها. والجفر: البئر ذات الماء. والمعين:
الماء الجاري على وجه الأرض. وصنع الضمير: أي إنه ماهر. لسان العرب (حذا) و (جفر) و (عين) و (صنع) .
(8) نصّت: أقعدت على المنصّة وهي كرسيّ ترفع عليها العروس في جلائها لترى من بين النساء. العون:
جمع عوان وهي التي كان لها زوج. لسان العرب (نصص) و (عون) .
(9) ديوان أبي تمام (ص 119) من قصيدة مديح.
(10) في الديوان: «لم تبق حلبة منطق» .