فهرس الكتاب

الصفحة 631 من 993

لك قدما عن رتبة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما كان [ولدي حسنة] من نبت إحسانك أرضه، ومن تفقّدك سماؤه، وأنا طاعة أمرك، وعبد نهيك، وبقية رأيك لي أحسن الخلف عندي.

وكان يقول: العالم يمشي البراز آمنا، والجاهل يهبط الغيطان كامنا، ولله درّ زهير حيث يقول [1] : [الكامل]

الستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر [2]

وقال أبو عبيد الله: ذاكرني المنصور في أمر الحسين بن قحطة، فقال: كان أوثق الناس عندي، وأقربهم من قلبي، فلمّا لقي أبا حنيفة انتكث، فقلت: إن فسدت نيته فسيضعه الباطل كما رفعه الحقّ، وتشهد مخايله عليه كما شهدت له، فتعدل في أمره من شكّ إلى يقين. ثم قال لي: اكتم عليّ ما ألقيت عليك.

قال عمران بن شهاب: استعنت على أبي عبيد الله في أمر ببعض إخوانه وكان قد تقدّم سؤالي إيّاه فيه. فقال لي: لولا أن حقّك لا يجحد ولا يضاع، لحجبت عنك حسن نظري أظننتني أجهل الإحسان حتى أعلّمه، ولا أعرف موضع المعروف حتى أعرّفه؟ لو كان ينال ما عندي إلّا بغيري لكنت مثل البعير الذّلول يحمل عليه الحمل الثقيل، إن قيد انقاد، وإن أنيخ برك، ما يملك من نفسه شيئا، فقلت: معرفتك بموضع الصنائع أثبت معرفة، ولم أجعل فلانا شفيعا إنما جعلته مذكّرا. قال: وأي إذكار أبلغ عندي في رعي حقّك من مسيرك إليه وتسليمك عليه؟ إنه متى لم يتصفّح المأمول أسماء مؤمّليه غدوة ورواحا لم يكن للأمل محلا، وجرى عليه المقدار لمؤمّليه على يديه بما قدر، وهو غير محمود على ذلك ولا مشكور، وما لي إمام بعد وردي من القرآن إلّا أسماء رجال أهل التأميل، حتى أعرضهم على قلبي، فلا تستعن على شريف إلّا بشرفه فإنّه يرى ذلك عيبا لعرفه وأنشد: [الطويل]

وذاك امرؤ إن تأته في عظيمة ... إلى بابه لا تأته بشفيع

ومن توقيعاته: الحقّ يعقب فلجا [3] أو ظفرا، والباطل يورث كذبا وندما.

وكتب إليه رجل: والنفس مولعة بحبّ العاجل. فكتب إليه: لكن العقل الذي جعله الله للشهوة زماما وللهوى رباطا موكّل بحبّ الآجل، ومستصغر لكل كثير زائل.

(1) ديوان زهير بن أبي سلمى (ص 29) .

(2) في الديوان: «والسّتر» بدل «السّتر» .

(3) الفلج: الظفر والفوز. محيط المحيط (فلج) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت