وقد روي مثل هذا لابن السماك مع الرشيد.
وقوله: «لو كان هذا الأمر باقيا لأحد قبلك ما وصل إليك» كقول ابن الرومي:
[الطويل]
لعمرك ما الدّنيا بدار إقامة ... إذا زال عن عين البصير غطاؤها
وكيف بقاء الناس فيها وإنما ... ينال بأسباب الفناء بقاؤها؟
ووعظ شبيب بن شبة المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يجعل فوقك أحدا، فلا تجعل فوق شكره شكرا.
ودخل عمرو بن عبيد على المنصور وعنده المهدي فقال له: هذا ابن أخيك المهدي، وليّ عهد المسلمين، فقال: سمّيته اسما لم يستحقّ حمله، ويفضي إليك الأمر [1] وأنت عنه مشغول.
وكان عمرو بن عبيد يقول: اللهمّ أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك.
وقال له المنصور: يا أبا عثمان، أعنّي بأصحابك: قال: يا أمير المؤمنين، أظهر الحقّ يتبعك أهله.
وقال عمر الشمري: كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلّم، وإن تكلّم لم يكد يطيل وكان يقول: لا خير في المتكلّم إذا كان كلامه لمن يشهده دون قائله، وإذا طال الكلام عرضت للمتكلّم أسباب التكلّف، ولا خير في شيء يأتيك به التكلف.
قال معمر بن الأشعث: قلت لبهلة الهنديّ أيام اجتلب يحيى بن خالد أطباء الهند:
ما البلاغة عند أهل الهند؟ قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة، ولكنني لا أحسن ترجمتها، ولم أعالج هذه الصناعة، فأثق من نفسي بالقيام بخصائصها، ولطيف معانيها.
قال ابن الأشعث: فلقيت بتلك الصحيفة التراجمة فإذا فيها: أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش [2] ، ساكن الجوارح، قليل اللّحظ، متخيّر اللفظ، لا يكلّم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة، ويكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة، ولا يدقّق المعاني كلّ التدقيق، ولا ينقّح الألفاظ كلّ التنقيح، ولا
(1) المراد بالأمر: الخلافة.
(2) الجأش: رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع ورابط الجأش: أي يربط نفسه عن الفرار لشجاعته محيط المحيط (جأش) .