يصفّيها كل التصفية، ولا يهذّبها غاية التهذيب، ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما، أو فيلسوفا عليما، ومن قد تعوّد حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ، وقد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة، لا على جهة التصفّح [1] والاعتراض، ووجه التظرّف والاستظراف.
قال إسحاق بن حسان بن قوهي: لم يفسّر أحد البلاغة تفسير عبد الله ابن المقفع [2]
إذ قال: البلاغة اسم لمعان تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون خطبا، ومنها ما يكون رسائل فغاية هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة، فأمّا الخطب فيما بين السّماطين [3] ، وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل [4] ، والإطالة في غير إملال، ولكن ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أنّ خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته (كأنه يقول فرّق بين صدر خطبة النكاح وخطبة العيد وخطبة الصلح وخطبة التّواهب، حتى يكون لكل فنّ من ذلك صدر يدل على عجزه) [5]
فإنه لا خير في كلام لا يدلّ على معناك، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت.
فقيل له: فإن ملّ المستمع الإطالة التي ذكرت أنها أحقّ بذلك الموضع؟ قال: إذا أعطيت كلّ مقام حقّه، وقمت بالذي يجب من سياسة الكلام، وأرضيت من يعرف حقوق ذلك، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو فإنهما لا يرضيان بشيء فأمّا الجاهل فلست منه وليس منك، ورضا جميع الناس شيء لا ينال.
(1) التصفّح: التأمّل والنظر في صفحاته. محيط المحيط (صفح) .
(2) عبد الله بن المقفع من أئمة الكتّاب في البلاغة، وأول من عني في الإسلام بترجمة كتب المنطق.
توفي سنة 142هـ. ترجمته في البداية والنهاية (ج 10ص 96) ووفيات الأعيان (ج 2ص 151) والفهرست (ص 132) والأعلام (ج 4ص 140) .
(3) السّماط: الشيء المصطفّ، والصّفّ. محيط المحيط (سمط) .
(4) الخطل: الكلام الفاسد، محيط المحيط (خطل) .
(5) ما بين قوسين توضيح من المؤلف لكلام ابن المقفع.