فهرس الكتاب

الصفحة 817 من 993

لا أزال أطال الله تعالى بقاء مولانا الشيخ! لسوء الانتقاد، وحسن الاعتقاد، أمسح جبين الخجل، وأمدّ يمين العجل، ولضعف الحاسّة، في الفراسة، أحسب الورم شحما، والسراب شرابا، حتى إذا تجشّمت موارده، لأشرب بارده، لم أجد شيئا.

وما حسبت الشيخ سيدي ممن تعنيه هذه الجملة حتى عرضت على النار عوده، ونشرت بالسؤال جوده، وكاتبته أستعيره حلية جمال، سحابة يوم أو شطره، بل مسافة ميل أو قدره، فغاص في الفطنة غوصا عميقا، ونظر في الكيس نظرا دقيقا، وقال: هذا رجل مشحوذ المدية، في أبواب الكدية [1] ، قد جعل استعارة الأعلاق طريق افتراسها، وسبب احتباسها، وقد منّى ضرسه، وحدّث بالمحال نفسه، ولا لطيفة في هذا الباب، أحسن من التغافل عن الجواب، فضلا عن الإيجاب، وكلا فما في أبواب الردّ أقبح مما قرع، ولا في شرائع البخل أوحش ممّا شرع ثم العذر له من جهتي مبسوط إن بسطه الفضل، ومقبول إن قبله المجد، وإنما كاتبته لأعيد الحال القديمة، وأشرط له على نفسي أن أريحه من سوم الحاجات من بعد، فمن لم يستحي من «أعطني» ، لم يستحي له من «أعفني» وعلى حسب جوابه أجري المودّة فيما بعد، فإن رأى أن يجيب فعل إن شاء الله.

وله إلى سهل بن محمد بن سليمان:

أنا إذا طويت عن خدمة مولاي أطال الله بقاءه يوما لم أرفع له بصري، ولم أعدّه من عمري، وكأني بالشيخ أعزّه الله إذا أغفلت مفروض خدمته، من قصد حضرته، والمثول في حاشيته، وجملة غاشيته، يقول: إن هذا الجائع لمّا شبع تضلّع، واكتسى وتلفّع، وتجلّل وتبرقع، تربّع وترفّع، فما يطوف بهذا الجناب، ولا يظهر بهذا الباب وأنا الرجل الذي آواه من قفر، وأغناه من فقر، وآمنه من خوف، إذ لا حرّ بوادي عوف حتى إذا وردت عليه رقعتي هذه، وأعارها طرف كرمه، وظرف شيمه، ونظر في عنوانها اسمي قال: بعدا وسحقا، [وسبّا وتبّا] وحتّا [2] ونحتا، وطعنا ولعنا، فما أكذب سراب أخلاقه، وأكثر أسراب نفاقه، فالآن انحلّ من عقدته، وانتبه من رقدته. وكاتبني يستعيدني، كلّا لا أزوّجه الرّضا ولا قلامة، ولا أمنحه المنى ولا كرامة، بل أدعه يركب رأسه، ويقاسي أنفاسه، فستأتيني به الليالي، والكيس الخالي، ثم أريه ميزان قدره، وأذيقه وبال أمره، حتى إذا بلغ موضع الحاجة من الرقعة قال: مأربة لا حفاوة، ووطر ساقه [3] ، لا نزاع

(1) الكدية: السؤال والشحاذة. لسان العرب (كدا) .

(2) الحتّ: القشر باليد يقال: حتّ الشيء اليابس عن الثوب إذا حكّه بيده أو بعود حتى يزول. محيط المحيط (حتت) .

(3) الوطر: الحاجة. شاقه إليه: شدّه. النزاع: نزوع القلب إليه. محيط المحيط (وطر) و (شيق) و (نزع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت