رزئته كالبدر في بهائه، والرمح في استوائه، والسيف في مضائه ولقد فتّتت مصيبته كبدي، وأفنى فقده جلدي، وما اعتضت من بعده إلّا أمن المصائب لفقده.
وعزّى أبو العيناء أحمد بن أبي دواد عن ولد له، فقال: ما أصيب من أثيب، والله لقد هان لفقده، جليل المصائب من بعده.
ودخل أعرابي من بادية البصرة إلى الشام ومعه بنون، فلمّا كان بقنّسرين [1] مات بنوه بالطاعون فقال: [الطويل]
أبعد، بنيّ، الدهر أرجو غضارة ... من العيش أو آسى لما فات من عمري؟
غطارفة زهر مضوا لسبيلهم ... فلهفي على تلك الغطارفة الزّهر [2]
سقى الله أجسادا ورائي تركتها ... بحاضر قنّسرين من صيّب القطر
يذكّرنيهم كلّ خير رأيته ... وشرّ، فما أنفكّ منهم على ذكر
هذا البيت كقول الآخر: [الطويل]
رعاك ضمان الله يا أمّ مالك ... ولله أن يرعاك أولى وأوسع
يذكرنيك الخير والشرّ والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقّع
وقال مسلم بن الوليد: [الطويل]
وإني وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل
أما والحبالات الممرّات بيننا ... رسائل أدّتها المودّة والوصل
لما خنت عهدا من إخاء ولا نأى ... بذكراك نأي عن ضميري ولا شغل
وإني في مالي وأهلي كأنني ... لفقدك لا مال لديّ ولا أهل
يذكّرنيك الخير والشرّ والحجا ... وقيل الخنى والحلم والعلم والجهل
فألقاك عن مذمومها متنزها ... وألقاك في محمودها ولك الفضل
وأحمد من إخلافك البخل إنه ... بعرضك لا بالمال حاشا لك البخل
أمنتجعا مروا بأثقال همّة ... دع الثّقل واحمل حاجة ما لها ثقل
ثناء كعرف الطيب يهدي لأهله ... وليس له إلّا بني برمك أهل
فإن أغش قوما بعدهم أو أزورهم ... فكالوحش يدنيها من القنص المحل
(1) قنّسرين، بكسر القاف وفتح النون المشدّدة وسكون السين وكسر الراء: مدينة بينها وبين حلب مرحلة، خرّبها الروم سنة 355قبل موت سيف الدولة بأشهر. معجم البلدان (ج 4ص 403) .
(2) الغطارفة: جمع غطريف وهو السيد الشريف. محيط المحيط (غطرف) .