ذيول الدم. لولا أن العين بالدمع أنطق من كلّ لسان وقلم، لأخبرت عن بعض ما أوهن ظهري، وأوهى أزري. إنّ الفجيعة إذا لم تحارب بجيش من البكاء، ولم يخفّف من أثقالها بالاشتكاء، تضاعف داؤها، وازدادت أعباؤها، وعزّ دواؤها. قد شفيت غليلي بما استذريته من أسراب الدموع المتحيرة، وخفّفت عنّي بعض البرحاء بما امتريته من أخلافها [1] المتحدّرة. إن في إسبال العبرة، وإطلاق الزّفرة، والإجهاش بالبكاء والنشيج، وإعلان الصياح والضجيج، تنفيسا عن برحاء القلوب، وتخفيفا من أثقال الكروب. قد أتى الدهر بما هدّ الأصلاب، وأطار الألباب، من النازلة الهائلة، والفجيعة الفظيعة. رزء أضعف العزائم القوية، وأبكى العيون البكيّة. مصيبة زلزلت الأرض، وهدّمت الكرم المحض، وسلبت الأجفان كراها، والأبدان قواها. فجيعة لا يداوي كلمها آس [2] ، ولا يسدّ ثلمها تناس. مصيبة تركت العقول مدلّهة، والنفوس مولهة. رزء هضّ وهاض [3] ، وأطال الانخزال والانخفاض، ولم يرض بأن فضّ الأعضاء، حتى أفاض الدماء. رزء ملأ الصدور ارتياعا، وقسم الألباب شعاعا، وترك الجفون مقروحة، والدموع مسفوحة، والقوى مهدودة، وطرق العزاء مسدودة. رزء نكأ القلوب وجرحها، وأحرّ الأكباد وقرّحها، ما لي يد تخطّ إلّا بكلفة، ولا نفس تردد إلّا في غصّة، ولا عين تنظر إلّا [4] من وراء قذى، ولا صدر ينطوي إلّا على أذى فالدموع واكفة، والقلوب واجفة، والهمّ وارد، والأنس شارد: [الكامل]
والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنّة وزفير
كأني كندة وهي تلهّف على حجر [5] ، والخنساء تبكي على صخر [6] ، أنا بين عبرة وزفرة، وأنّة وحسرة، وتململ واضطراب، واشتعال والتهاب. مصيبة أصبحت لغمّتها وقيذا [7] ، ولكربتها أخيذا [8] . كتبت وقد ملك الجزع عزائي، وحصل ناظري في إسار
(1) الأخلاف: جمع خلف وهو حلمة ضرع الناقة. امتريته: استخرجته. محيط المحيط (خلف) و (مرى) .
(2) الكلم: الجرح. الآسي: المعالج. محيط المحيط (كلم) و (أسا) .
(3) هضّه: كسره ودقّه. هاض فلان العظم: كسره بعد الجبور. محيط المحيط (هضض) و (هيض) .
(4) في الأصل: «إلى» وهو ما لا فائدة منه.
(5) حجر: هو حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر، صاحب الملك المتوارث في كندة، وهو أبو امرىء القيس الشاعر المشهور. انظر مقدمة ديوان امرىء القيس.
(6) صخر: هو أخو الخنساء، ولها فيه مراث كثيرة.
(7) الوقيذ: الشديد المرض. محيط المحيط (وقذ) .
(8) الأخيذ: الأسير. محيط المحيط (أخذ) .