ورحلة الدّاني، ودوحة المتمثل، وروحة المتحمّل، وحاكم الإعراب، وشاهد الصواب.
وقال في هذا الكتاب: الشعر ما كان سهل المطالع، فصل المقاطع، فحل المديح، جزل الافتخار، شجيّ النسيب، فكه الغزل، سائر المثل، سليم الزلل، عديم الخلل، رائع الهجاء، موجب المعذرة، محبّ المعتبة، مطمع المسالك، فائت المدارك، قريب البيان، بعيد المعاني، نائي الأغوار، ضاحي القرار، نقي المستشف، قد هريق فيه ماء الفصاحة، وأضاء له نور الزجاجة، فانهلّ في صادي الفهم، وأضاء في بهيم الرأي.
لمتأمله ترقرق، ولمستشفّه تألّق، يروق المتوسم، ويسرّ المترسّم قد أبدت صدوره متونه، وزهت في وجوهه عيونه، وانقادت كواهله لهواديه، وطابقت [ألفاظه معانيه، وخالفت أجناسه مبانيه، فاطّرد لمتصفحه، وأنار] لمستوضحه، وأشبه الروض في وشي ألوانه، وتعمّم أفنانه، وإشراق نواره، وابتهاج أنجاده بأغواره وأشبه الوشي في اتفاق رقومه، واتساق رسومه، وتسطير كفوفه، وتحبير فوفه وحكى العقد في التئام فصوله، وانتظام وصوله، وازديان ياقوته بدرّه، وفريده بشذره، فلو اكتنف الإيجاز موارده، وصقلت مداوس الدربة مناصله، وشحذت مدارس الأدب فياصله، جاء سليما من المعايب، مهذّبا من الأدناس، تتحاشاه الأبن [1] ، وتتحاماه الهجن، مهديا إلى الأسماع بهجته، وإلى العقول حكمته.
وقد قلت في الشعر قولا جعلته مثلا لقائليه، وأسلوبا لسالكيه، وهو: [الكامل]
الشعر ما قوّمت زيغ صدوره ... وشددت بالتهذيب أسر متونه
ورأبت بالإطناب شعب صدوعه ... وفتحت بالإيجاز غور عيونه
وجمعت بين قريبه وبعيده ... ووصلت بين مجمّه ومعينه
وعقدت منه لكلّ أمر يقتضي ... شبها به فقرنته بقرينه
فإذا بكيت به الديار وأهلها ... أجريت للمحزون ماء شؤونه
ووكلته بهمومه وغمومه ... دهرا فلم يسر الكرى بجفونه
وإذا مدحت به جوادا ماجدا ... وقضيته بالشّكر حقّ ديونه
أصفيته بنفيسه ورصينه ... ومنحته بخطيره وثمينه
فيكون جزلا في اتّفاق صنوفه ... ويكون سهلا في اتّساق فنونه
وإذا أردت كناية عن ريبة ... باينت بين ظهوره وبطونه
فجعلت سامعه يشوب شكوكه ... ببيانه وظنونه بيقينه
(1) الأبن: جمع أبنة وهي العقدة في العود. لسان العرب (أبن) .